أيمن أنور
من
المؤكد أن ما تتعرض له الساحة الفلسطينية من صدامات يومية مع واقع الاحتلال، على
رأسها قضية الأسرى التي أشغلت بالنا، وألهبت مشاعرنا وأدمت قلوبنا، فضلاً عن هزليات
أزمات السلطة المتتابعة، قد وضعتنا جميعاً في حالة انتظار حقيقية لمرحلة ما بعد
الانفجار.
هذا
الواقع المرير فتح الباب واسعاً للتكهنات والتساؤلات والأمل والترقب وحتى الانزعاج
من بعض ضعيفي النفوس بيننا، أن تؤدي هذه التطورات إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة
تتصاعد وتيرتها شعبياً حتى تصل لدرجة النضج الكامل إيذاناً ببدء حرب التحرير
الشعبية للأرض الفلسطينية التي تعاني مرارة الاحتلال منذ سنوات طويلة.
من
باب الاستدراك لا الرفض أتساءل إن كان هناك فعلاً بوادر لاندلاع انتفاضة شعبية
فلسطينية ينخرط فيها الجميع، تضطر فيها الفصائل ومؤسسات المنظمة والسلطات والأجهزة
الأمنية للانصياع لهذه الهبة الشعبية!!، هل العامل الموضوعي متوفر حالياً لنجاح
هذه الانتفاضة؟ أليست معاناة شعبنا الفلسطيني مركبة وتحتاج إلى اتخاذ موقف حاسم
ولا يقبل القسمة على اثنين من موضوعات السلطة، والأجهزة الأمنية، والانقسام، وفساد
المؤسسات الرسمية وعدم تفعيلها، لا سيما منظمة التحرير الفلسطينية؟!!.
صحيح
أن اندلاع الانتفاضة الشعبية الفلسطينية أصبح مسألة وقت، بعد أن تبلورت الظروف
الحالية وتحالفت القيادات الفاسدة المتنفذة، مع الأنظمة العربية العميلة، والتحالف
الامبريالي الصهيوني لتشكل مصدر تهديد وخطر وإرهاب وعدوان إضافي على الشعب
الفلسطيني المتخم بالجراح، إلا أنه من المبكر استنتاج أن هذا الوقت قريباً جداً،
فكما أسلفت سابقاً العامل الموضوعي ليس متاح الآن للانفجار الشامل، على الرغم من حالة
الحراك الشعبي التي تزداد وتيرتها ضد الاحتلال الصهيوني، بالإضافة إلى الاحتجاجات
الشعبية الداخلية الناجمة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة جداً الناجمة
عن اتفاقيات أوسلو العبثية.
هذا
الأمر يربطنا بشكل تلقائي بثورة عام 1936، والتي للأسف لم نستطع حتى الآن استخلاص
تجربتها الغنية، وإيجابياتها، وسلبياتها، من أجل البناء عليها في نضالنا المستميت
ضد الاحتلال الصهيوني، والأديب الراحل الشهيد غسان كنفاني هو أول من أماط اللثام
عن هذه الثورة، وفسرها وحللها لنا بصورة نقدية واضحة ليست بحاجة لفك لوغاريتماتها،
بل للتأسيس عليها في إعادة البوصلة لنضالنا من أجل حريتنا وتحقيق أهدافنا.
في
دراسته عن خلفيات وتفاصيل ثورة عام 1936،
يحمّلنا الشهيد كنفاني - في تفسيره عن أسباب فشل هذه الثورة في وصولها إلى أهدافها
– أمانة ونبوءة حقيقية ورسالة إلى الأجيال القادمة لو دققنا فيها سنجدها هي نفسها
الموجودة الآن وسبب عدم تحقق شرط انطلاقة حقيقية وشاملة للانتفاضة الشعبية الكبيرة
التي يُنظر إليها أنها آخر انتفاضات الشعب الفلسطيني في طريقه لنيل حريته.
لقد
وصل الشهيد كنفاني إلى خلاصتين مهمتين حرفتا بوصلة ثورة عام 1936، وهي نفسها التي
انعكست على الأزمة الفلسطينية حالياً، فالخلاصة الأولى تحدثت عن هيمنة قيادات متنفذة
مستفيدة واقطاعية وحتى قيادات دينية على الحركة الوطنية بأكملها، أما الخلاصة
الثانية هي ارتباط مصالح تلك القيادات بتنامي المشروع الصهيوني وشراسة إجراءاته
وممارساته ضد الشعب الفلسطيني.
هذا
التحالف الدينامكي هو سبب التحولات التي صاحبت ثورة 36 والانتفاضة الأولى، والتي
تم فيها الانقضاض على الثورة الشعبية في كلتا الحالتين، من إخماد القيادات
الاقطاعية لثورة 36 تبعاً لمصالحها، وإلى انقلاب قيادة منظمة التحرير المتنفذة
برئاسة حركة فتح وياسر عرفات على الانتفاضة الشعبية في الانتفاضة الأولى من خلال
توقيع اتفاقيات أوسلو، وهو الأمر الذي أدخلنا في دوامة وصراع تناحري داخلي ما زلنا
نعاني منه الآن.
حينما
يتم ترميم هذا الخلل الذي صنعته تلك القيادات فينا، وعندما تتخذ الجماهير الشعبية
الفلسطينية قراراً جريئاً وواعياً بإسقاط تأثيرات وأدبيات اتفاقية أوسلو على
عقولها وتفكيرها، بما يعيد الاعتبار لتجربة الكفاح الشعبي طويل الأمد ضد الاحتلال
بمختلف الأشكال، وانسجام الذات والفصائل والمؤسسات في عملية متواصلة لمحاربة ودحض
أوهام عملية التسوية ومفرداتها الخبيثة، وعندما نُعطى فرصة لمبدأ العدالة
الاجتماعية لتشكل منهج حياة لنا في مواجهة الفساد المستشري، وعندما نتوحد جميعاً
في مواجهة مخططات تصفية حق العودة، واستثمار معاناة الأسرى، عند تحقيق كل ذلك أنا
متأكد أن الباب سيفتح على مصراعيه أمام انتفاضة شعبية ثالثة نقية وخالية من سلبيات
التجربة الفلسطينية ستكون الانتفاضة الشعبية الأخيرة والفاصلة ضد الاحتلال
الصهيوني وأعوانه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق