أيمن أنور
يشبه حال أعضاء حركة فتح هذه الأيام، كمحاربي الرونين القدماء الذين أصبحوا بلا سيد بعد أن غُدر به، وبدون هدف يقاتلوا من أجله.. ولحق بهم العار بسبب عجزهم عن الانتقام لسيدهم، وموت الرغبة لديهم في النضال، وغياب الفكرة والمعتقد الثوري عندهم..
أمس الخميس قدّمت فرقة العاشقين في قصر رام الله الثقافي حفلاً فنياً هو الأول من نوعه على أرض فلسطينية، إحياءً للذكرى السادسة لرحيل الرئيس المغدور ياسر عرفات، بحضور رئيس حركة فتح محمود عباس، وعدد كبير من قياديي وأعضاء وأنصار الحركة وقيادات مدنية وعسكرية.
من حق الحركة أن تحيي ذكرى رئيسها الراحل على طريقتها الخاصة، وأن تستقدم فرقة العاشقين وتقطع لهم تأشيرات دخول لعاصمة السلطة " رام الله"، حتى تصدح بأشهر أغانيها وتسرد خلالها مسيرة الثورة والقضية الفلسطينية في حقبة غلب عليها طابع الكفاح المسلح التي تبنته فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى رأسها حركة فتح، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل المشهد الفلسطيني الحالي والمختلف شكلاً ومنهجاً ومضموناً، فرام الله الآن الأسيرة باتفاقيات التسوية، والحبيسة بالتزامات خارطة الطريق ليست بيروت ولا عدن ولا بغداد لكي تقدم فرقة العاشقين أشهر أغانيها التي تحتفي بشهداء الاحتلال البريطاني محمد جمجوم، وعطا الزير، وفؤاد حجازي.. أو بالمقاتل الثوري الفلسطيني الذي حارب ببيروت وفجر دبابات العدو بقاذفات الأربي جي في شوارعها، جاءت فرقة العاشقين من بيئة مليئة بغبار المعارك والخنادق وصوت بنادق الكلاشينكوف.. إلى بيئة مليئة بضباب سلطة حكم ذاتي حرّمت المقاومة واعتقلت ناشطيها وحتى قتلتهم التزاماً بالاتفاقيات المقرة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.
الغريب في احتفال الأمس أن الفرقة بدت كأشباح حقيقية تغني في زمن مغاير، ولجمهور آخر.. وأشخاص مختلفين طووا صفحة الكفاح المسلح بل والثورة الفلسطينية كلها وتسللوا تباعاً إلى دهاليز مفاوضات استحقت أن تكون خيبة كبيرة وفشل ذريع تطبّعت على وجوه من كانوا في الصف الأول بالقاعة.. لأولئك الذين وصفوا المقاومة بالإرهاب والعمل الحقير.. إلى من اعتبروا الحياة مفاوضات.. ومروراً بمن باع وطنه وقومه في اتفاقية جنيف..إلخ.
تغير الزمن فعلاً، ورجال عيلبون وقعوا في الفخ، وأصبحوا فعلاً كمحاربي الرونين الذين فقدوا فجأة رئيسهم، وأصبحوا بدونه مطية بأيدي الاحتلال، وعجزوا حتى أن يكشفوا مؤامرة اغتياله والمتورطين فيه، وتغيرت مصطلحاتهم من دولة إلى دويلة كنتونات ومصالح مشتركة، من مقاومة شاملة، إلى مقاومة شعبية.. وبعد انقشاع دخان البنادق.. على أمتار قليلة من مرقد الرجل المغدور بجوار المقاطعة. علمنا أن عهد مقاتلي العاصفة انتهى.. وشجاعتهم قد ولت.
من هنا ومن باب النقد الجدي المملوء بمئات الأسئلة والأسئلة عن أسباب سقوط العقيدة القتالية والثورية لمقاتلين كان يعتبروا أنفسهم باكورة العمل النضالي الفلسطيني وأول رصاصة... حتى أيام عرفات مزجوا العمل النضالي بمفاوضات التسوية، وشاركوا بجدية في فعاليات الانتفاضة وشنوا هجمات مسلحة على الاحتلال، إلا أن واقعهم الحالي دفن كل العقيدة التي ورثوها .. وفقدوا تماماً تعاليم الواجب، والولاء، وحتى الإخلاص لقائدهم المؤسس الذي أصبح في طيات النسيان.
تحوّل المقاتل إلى قاطع طريق للمقاومة وأصبح حارس أمن للاحتلال، ولديه الجرأة لإلقاء محاضرات أمام ضباط وجنود إسرائيليين ملطخة أيديهم بدماء أطفال غزة ورفح... حتى تطور ليصل إلى درجة اعتقال صبية جبهاويين في مخيم الدهيشة ويحقق معهم عن عدد النشطاء في الجبهة وأمور تنظيمية لا أحد يتوقع أن يطالب بها إلا الاحتلال الإسرائيلي.
حركة فتح وأعضاءها على مفترق طرق، فإما أن يحرروا أنفسهم من حالة الموت السريري التي دخلوا فيها بإرادتهم جراء سقوطهم في وحل التسوية والتنسيق الأمني، أو أنصحهم بممارسة الـ (سيبوكو) وهو الانتحار الطقوسي الجماعي الذي أقدم عليه محاربي الرونين أخيراً..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق