مما
لا شك فيه أن الهبة الشعبية التي انطلقت في الضفة الفلسطينية المحتلة، ضد الغلاء
وسياسة الإمعان في فرض الضرائب والرسوم لها مدلولات إيجابية قد تتطور لاحقاً إلى
انتفاضة شعبية عارمة ضد الواقع الاجتماعي والاقتصادي، الذي أدى إلى إفقار
المواطنين ووقوعهم فريسة للاستغلال وللفساد المالي والاقتصادي الناجم عن اتفاقية
باريس المذلة التي وقعتها السلطة بتاريخ عام 1994 و سياساتها الاقتصادية التي
اتبعتها ارتباطاً بهذه الاتفاقية.
وحتى
تكون شعاراتنا وأهدافنا واضحة من هذه الهبة الشعبية وتحقق الحد الأدنى من مطالب الأغلبية المسحوقة من أبناء شعبنا، يجب
ألا نقع في شرك رغبة حركة فتح الملحة في رحيل سلام فياض نتيجة خلافات خاصة بين فتح
والحكومة الفلسطينية، نتيجة محاولات فياض المتكررة لتقليص نفوذ الحركة داخل
الحكومة، ولذلك فإن توجيه الهبة الجماهيرية نحو " إسقاط الرأس " هو الحل
الأمثل لهكذا هبة جماهيرية، لأن سلام فياض مجرد موظف صغير في البنك الدولي، وصغير
في تراتبية السلطة المسئولة عن هكذا وضع اقتصادي.
منذ
دخول سلطة الحكم الذاتي الهزيلة الأراضي الفلسطينية تحت مسمى " اتفاقية أوسلو
المشئومة" وتوقيعها اتفاقية باريس المذلة عام 1994، والاقتصاد الفلسطيني
يعاني من تبعات سيطرة وتحكم الاحتلال بالوضع الاقتصادي، ولذلك فإن شعار "
رحيل سلام فياض" فقط كحل لأزمة الغلاء الراهنة حل ليس عملي، ويلبي مطالب حركة
فتح أصلاً رغم أنها سبب المشكلة الأساسي للأزمة الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك فإن
شعار إسقاط سلام فياض من حكومة رام الله ليس حلاً سحرياً طالما أن رحيله في حال
استجابت السلطة لذلك، لن يغير شيئاً طالما استمرت السياسات الاقتصادية القائمة على
اتفاقية باريس المذلة، وتحكم الاحتلال في الاقتصاد الفلسطيني، فضلاً تحكم قطاعات فاسدة من السلطة، ورجال أعمال
وكمبرادورات رأس المال في الوضع الاقتصادي الفلسطيني بمساعدة وتعاون الاحتلال.
إسقاط
الرأس هو الشعار الرسمي الذي يجب أن يميز الحراك الشعبي ضد السياسات الاقتصادية
الراهنة، وهو شعار يجب أن يحاسب السلطة الحالية وعلى رأسها رئيسها محمود عباس،
وقبلها الحكومات والوزراء السابقين، على ما اقترفته من سياسات اقتصادية مشبوهة،
وعلى رأسها تفاهمات بين قيادات في الأجهزة الأمنية مثل محمد دحلان مع الاحتلال على
تسيير العلاقة الاقتصادية بين الفلسطينيين والاحتلال على مبدأ ضمان تدخل الاحتلال
في العديد من القرارات الاقتصادية، وتحديد كمية ونوعية ومواصفات السلع المسموح
استيرادها وحتى أماكن استيرادها!!.
دولة
الاحتلال ومعها قيادات الأجهزة الأمنية الفلسطينية ورجال الأعمال المرتبطين
بالسلطة سلبت من المستهلك المحلي الفلسطينية حقوقه وسرقت أموال التاجر الوطني
ونافسته في أرباحه وفي رزقه، فزادت معدلات الجمارك بنسب ضخمة عن قيمتها الشرائية،
مما تسبب في حدوث حالة ارتفاع دائمة في الاسعار، خاصة بعد التزام الجانب الفلسطيني
في اتفاقية باريس بفرض ضريبة القيمة المضافة على السلع المستوردة بنسبة لا تقل عن
النسبة المعمول بها عند الجانب الصهيوني، وهو الأمر الذي حرم الاقتصاد والمستهلك
الفلسطيني من تخفيض أسعار السلع الضرورية، وبالتالي أثر على الصناعة الفلسطينية
وإمكانية دعمها وتشجيعها.
حجم
الاستثمارات الهائلة لقيادات السلطة مع الاحتلال التي تجريها في السر والعلن أدت
إلى تفشي حالة الثراء لدى هذه القيادات، وظهور طبقة غنية مرتبطة عضوياً بالاحتلال
وسياساته، وخلقت تعاوناً مباشراً وغير مباشر مع الاحتلال في التحكم بمصير وحياة
الشعب الفلسطيني، فشركة باديكو القابضة واحدة من الشركات التي سرقت أموال الشعب
الفلسطيني في وضح النهار وبعلم السلطة التي لديها استثمارات كبيرة في هذه الشركة،
وهناك شركات أخرى مثل جوال والاتصالات لعبت دوراً هاماً في تفشي الفساد في الساحة
الفلسطينية.
وبالعودة
لأزمة المحروقات القديمة الجديدة والتي ترتبط دائماً بالازمة الداخلية للاحتلال،
فإن السلطة الفلسطينية ملتزمة حتى الآن بما تضمنته اتفاقية باريس من إجبار
الفلسطينيين على استيراد المحروقات للمستهلكين بأقل 15% عن السعر الرسمي داخل دولة
الاحتلال وذلك نتيجة توجس الاحتلال من شراء المستهلكين الصهاينة شراء المحروقات من
أراضي الحكم الذاتي. ولذلك نجد أن السلطة الفلسطينية تدعم اقتصاد دولة الاحتلال،
وتقرر زيادة أسعار لتر المحروقات لمستوى قياسي للتغلب على ارتفاع الأسعار داخل
دولة الاحتلال، وهذا بحد ذاته جريمة لا تغتفر.
إن
إسقاط السلطة الفلسطينية، ورحيل رئيسها " محمود رضا عباس" وحكومتها، هو
المطلب الشرعي والشعار الرئيسي الذي يجب
أن يميز الهبة الشعبية الحاصلة في الضفة الفلسطينية، ومن ثم يصبح مطلب رحيل الموظف
الصغير سلام فياض واقعياً. فلا يجب التعاطي مع أي محاولات للرئيس عباس للتخفيف من
وطأة الغضب الشعبي، يجب عليهم ألا يقبلوا أن يكون سلام فياض وحده كبش فداء لهذا
الموضوع، بل رأس السلطة وقياداتها وسياساتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق