أيمن أنور
لا
أخفي إعجابي بالسينما الأمريكية أو هو نوع محدد من الأفلام التاريخية، والعصابات،
والخيالية لا الرومانسية التي تتميز السينما الفرنسية عنها، وأعترف أن إقبالي على
مشاهدة الأفلام الأمريكية عادة سلبية وإدمان مؤسف لم أستطع معالجة نفسي من تبعاته
باستخدام جميع مضادات العدوى، أو مهدءات الحقد على الغطرسة الأمريكية والامبريالية
العالمية. ذالك أن السبب الأهم في هذا الشغف بهوليود أننا دائماً نشهد في مقطع
الفيلم الأخير فصلاً مأساوياً ومؤلماً لأمريكا، تارة على هيئة تدمير أمريكا، أو
احتلالها وتعرضها للغزو الفضائي، أو إعلان إفلاسها، أو مقتل رئيسها، أو انتشار العدوى والأمراض والوحوش فيها، أو غرقها
...إلخ.
فلم
تترك هوليود أمريكا ظاهرة أو أسطورة أو خيال إلا واستغلته، وأبرزها مشهد معمل
الأبحاث الهادئ الموجود في بقعة بعيدة عن الكثافة السكانية، وينشغل داخله عالم
أمريكي يمتلك نصف عقل ونظارة سميكة، تراوده فكرة صناعة سلاح بيولوجي فتاك،
مستخدماً حيوانات صغيرة في صنع هذا السلاح، وإذ فجأة ينتشر الدخان، وينقلب السحر
على الساحر، ونتيجة خطأ ما في معادلة كيمائية، يتم إنتاج وحش حقيقي قاتل، مخيف
وبشع الوجه. ولا يمكننا بالطبع تخيل مجرى الأحداث المرعب في هذا الفيلم، وتفاصيله
وفذلكته التي يندمج المشاهد فيها حتى يتصور أنه يتعرض لعضةٍ ما أو مطاردة الوحش له
في شوارع وطرقات نيويورك أو غابات كاليفورنيا... ولو تابعنا تاريخ الأفلام
الأمريكية سنجد عشرات الأفلام التي تتشابه تفاصيلها بذلك الوحش الذي يقترب رويداً
رويداً ليزكم أنف أمريكا بالتراب ويدمر أجزاء من الأبراج العالية، ويجعلها ترسل
أفضل مقاتليها ومخابراتها وجميلاتها لقتل هذا الوحش، وأشهر هذه الأفلام هو فيلم
" Man's Best Friend" والذي أنُتج عام 1993،
بطولة " ally sheedy"، والذي يدور حول شركة أبحاث طبية
يديرها عالم مجنون يقوم بتحويل كلب رودفايلر إلى
كائن فائق القدرات، يستطيع التخفي مثل الحرباء، يركض بسرعة الشيتا، له قوة الأسد،
يتسلق الشجر كالقرود، مخالبه ذات جراب كالقطط..
وها هي أمريكا تحصد ثمار أفلامها التي تخوضها على الطبيعة،
وتضحك بها على العالم، خاصة على شعوبنا العربية، وتتذوق في نهايتها ميتة مؤلمة
ومأساوية للبطل الأمريكي، الذي يحارب كل العالم من أجل الدفاع عن مبررات استعمار
وسيطرة أمريكا على العالم!!!، فها هو البطل رامبو وفان دام وسوبرمان يموت موتة
حقيرة من سلاح أو لعبة أمريكية.
رأينا ذلك في فيلم الحادي عشر من أيلول، وتدمير البرجين في
مشهد هوليودي هز العالم والذي سقط ضحيته الآلاف من المواطنين الأمريكيين، ودشن هذا
الحادث معاودة أفلام الحرية الأمريكية باستهداف الشرق الأوسط وقتلت مئات الآلاف من
أجل نشر الديمقراطية الأمريكية!!.
أمريكا إذن تصنع عرائسها، وأبطالها، كتميمة تجارية خاصة بها،
كوالت ديزني، وميكي ماوس، وبن لادن من أجل تثبيت عقدة سامة وذنب بداخلها، وهي
الحفاظ على التعاليم الأمريكية القاتلة والمجرمة وبسطها على العالم.
فلا غرابة أن تصنع أمريكا دمى القاعدة وطالبان، وتحركهم كما
تشاء في مسرح أفغانستان، من أجل القتال ضد ألد أعداءها الروس، ولا مشكلة لها إن
نقلت خيوط هذه الدمى إلى مسرح آخر، ولكن داخل نيويورك وواشنطن نفسها لقتل آلاف
الأمريكان، حتى تبدأ الحرب البروستانتية – التلمودية الأمريكية المقدسة، ضد العراق
المسكين.
ومن أجل خلق انقسام عربي وسايكس بيكو جديد تنقل العرائس
للمنطقة العربية، من أجل أن تخوض حروباً باسم الدين الإسلامي، مستخدمة اذرع
الأخوان، والسلفيين، والقاعدة، لنشر مبادئ الظلام والفكر الوهابي، والتخلف، حتى
تبسط أمريكا يدها على كنوز الشرق.
وإذ أمريكا كعادتها لا تتعلم من التاريخ، ومن دروس أفلامها
الهوليودية، فتقع دائماً فريسة لفأر تجاربها وحيوانها الذي أطلقته لتنفيذ أهدافها،
فها هي تصحو مصدومة على قيام مجموعة من الدمى التي صنعتها، بقتل سفيرها في بني
غازي، التي كانوا يوعدون شعبها بحياة ألف ليلة وليلة، والتي اصبحت بقدرة أمريكا
وألعابها حياة ألف نيلة ونيلة... وهم نفس الدمى الذين يقتلون الشعب السوري.
أمريكا لا تريد أن تستخلص الدروس والعبر، ومصرة دائماً أن
تذوق مشهداً مأساوياً مؤلماً ومميتاً في خططها الاستعمارية، جربته في فيتنام،
والصومال، وأفغانستان، والعراق ولبنان من المقاومة الشريفة هناك، وبلعته رغماً
عنها من العصابات والدمى التي اخترعتها، وهذا الصراع بالتأكيد يعتبر بشكل طبيعي
الحد الفاصل بين سوريا الحضارة والتاريخ، وسوريا الظلام والتخلف التي تسعى ويسعى
أمراء القتل والرجعية لإيقاعها بها.
وهي في النهاية، ستعيش قريباً فيلماً يشهد اندثارها كقوة قطب
رئيسية في العالم، وسيتهاوى حلفائها وأتباعها وسنييها في المنطقة واحدا تلو
الواحد، والمفاجأة هنا أن هوليود هذه المرة ستقف متفرجة، ولن تقوم بإخراج هذا
الفيلم، لأن الفيلم سيكون حقيقياً، ومأساوياً لأمريكا، وحادثة مقتل السفير
الأمريكي في بني غازي ستتكرر كثيراً، ولكن لن تكون بأيدي الدمى والعرائس وانقلاب
السحر على الساحر، بل بأيدي الشعوب العربية التي ستدرك المؤامرة وستصل للحقيقة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق