الجمعة، 13 أغسطس 2010

أمراء المنطقة الخضراء معذورون...

أيمن أنور

صدق الدكتور صلاح البردويل، القيادي في حركة حماس عندما نفى علمه بقمع الأجهزة الأمنية في غزة لاعتصام نظمته الجبهة الشعبية مساء الثلاثاء الماضي، احتجاجاً على استمرار أزمة انقطاع التيار الكهربائي في القطاع.

نعذره ونتفهم موقفه تماماً لأنه عملياً خارج أجواء الحياة اليومية التعيسة التي يعيشها أهالي غزة، باعتباره أحد أمراء المنطقة الخضراء، جيدة الاضاءة والتهوية والتكييف وموائد الرحمن وولائم الخرفان المنتشرة فيها، والمعفاة من الضرائب والرسوم، والبعيدة تماماً عن قرف المخيمات الفلسطينية التي ينخرها الذباب والبعوض والحرمان ويحيط بها البؤس والظلام في كل مكان.

ولهذا، وحسب نفي البردويل لم يكن عناصر الأجهزة الأمنية الذين ملأوا ساحة الجندي المجهول آنذاك والمدججون بالسلاح والهراوات، إلا ملائكة هبطت من السماء على الساحة ووزعت الورود والابتسامات العريضة المنمقة على المشاركين في المسيرة !!!!، ولم تكن الدماء التي سالت في المكان إلا مسك فاح من بنادقهم وأسلحتهم وهراواتهم التي لا تنحرف أبداً عن بوصلتها !!!.

إذاً، الأجواء الرومانسية والكرنفالية والاحتفالات التي عمت الساحة هناك وشارك بها عناصر الأجهزة الأمنية الودودون جداً والتي ترتسم البراءة على وجوههم المضيئة، أصابت الجميع بالضبابية وجعلهم يظنون أن تلك الملائكة الموجودة بينهم ما هي إلا كائنات بشرية غريبة قبيحة الشكل، موتورة تحولت إلى آلات للقمع والقتل، تلصصت في المكان واستغلت الظلام الذي صنعه الانقسام ولهاثهم على السلطة، لمباغتة المشاركين في المسيرة والاعتداء عليهم بالضرب بأعقاب البنادق والهراوات وبالشتائم والسباب البذئ، وأدى إلى إصابة العشرات!!!، جيد أن الناس أدركت بعد ذلك خطأ توقعاتهم، وصدق تصريحات البردويل التي أكدت حسن سير وسلوك الأجهزة الأمنية في غزة !!.

شئ طبيعي أن يطلق العنان لمجموعة من الوحوش البربرية لتنهش بأنيابها الخبيثة لحم الناس البسطاء والفقراء، وضحايا الانقسام، طالما أن هناك تصريحات تخرج إلى النور كتصريحات الدكتور صلاح البردويل تنفي علمها بالجريمة التي شهدت فصولها ساحة الجندي المجهول الثلاثاء الماضي، ففيها ترخيص واضح وصريح بالقمع والضرب والقتل.

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لم تدعو لاعتصام جماهيري للتنديد بثقب الأوزون، أو بظاهرة الاحتباس الحراري، أو التغيرات المناخية، بل للاحتجاج ضد أزمة قديمة جديدة، سببها الرئيسي الاحتلال الإسرائيلي، وإن تعززت وسببت المزيد من المعاناة للمواطنين في ظل الانقسام الحاصل، كما أن الجبهة حرصت من خلال تنظيمها لهذا الاحتجاج المشروع تمثيل عامة الشعب الفلسطيني الذي يعاني مرارة الظلام والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، وهي لا تخضع لقوانين سلطة غير شرعية في غزة أنتجها الانقسام، وليست بحاجة للحصول على ترخيص أو موافقة من أجهزتها الأمنية، وإن كانت على الدوام تجري اتصالات مع المعنيين حرصاً منها على عدم حدوث أي إشكاليات أو أحداث تعكر صفو العلاقات الوطنية.

والجبهة أيضاً لا تنتظر من الدكتور البردويل، أن يحدد وجهتها وموقفها، وهي تعرف تماماً أين تتوجه، فموقفها ثابت ورؤيتها واحدة ودفاعها المستميت عن عامة الشعب وحقوقه وعذاباته وآلامه، وليس عن حزب بعينه أو طائفة أو طبقة ما.

ولذلك، أتمنى من الدكتور البردويل وغيره أن يغادر اسطوانته المشروخة القديمة بدعوته للجبهة إلى الاحتجاج بالمثل على حكومة رام الله وليس على حكومة غزة، فهو لا يعرف أن الجبهة الشعبية وقوى فلسطينية أخرى قد نظمت احتجاجاً مماثلاً في نفس اليوم أمام المقاطعة في رام الله رفضاً للمفاوضات المباشرة، وحذرت من تبعات موافقة الرئيس عباس على الدخول فيها، بل وهددت على لسان عضو مكتبها السياسي ومسئول قيادتها في الخارج د.ماهر الطاهر بالانسحاب من اللجنة التنفيذية.

والأهم من ذلك، أن البيان الصادر عن الجبهة الشعبية والذي وزع يوم الاعتصام لم يكتف بتوجيه انتقادات لحكومة غزة وتحميلها المسئولية عن أزمة انقطاع التيار الكهربائي في القطاع، بل وجه أيضاً انتقادات لاذعة لحكومة رام الله، وطالبها بالالتزام بتزويد المحطة بالوقود وعدم رهن هذا الأمر بالدفعات المستحقة على غزة، وأن تلتزم بزيادة كمية الوقود التي تزود بها المحطة بهدف رفع كمية الكهرباء التي تنتجها المحطة لتصل إلى 100 ميجا وات، بالإضافة إلى تخفيض سعر الوقود، كما وعبرت الجبهة عن صدمتها لما تقوم به حكومة رام الله من شراء الوقود الصناعي بـ1.8 شيكل للتر الواحد وبيعه بعد ذلك لمحطة التوليد بخمسة شواقل.

إن خيارات الجبهة الشعبية ملكها، ومواقفها تحظى بقبول الشارع الفلسطيني، وهي الأقرب لآلامهم وتطلعاتهم، وغير متحيزة لطرف على آخر بل للناس جميعاً، ولا تخضع للابتزازات ولا لأساليب القمع والترهيب والتخويف.. فعليكم أن تقرأوا التاريخ جيداً قبل كيلكم الاتهامات جزافاً..

قريباً جداً، ستنتصر آلام ومعانيات شعبنا على سلطتي القمع، وسينتصر الدم الذي سال في ساحة الجندي المجهول وفي ساحات أخرى بالضفة وغزة، وسيطارد ملوك الظلام في كل مكان، وسيتحول هذا الدم إلى نفط يضئ بيوت الفقراء، والحالمين بحياة كريمة، وستقطع الأيدي التي امتدت إلى رفاقنا وعامة الناس.

إن الهراوات التي سقطت على رؤوس وأجساد المشاركين في الاعتصام، والدماء التي سالت، واستمرار أساليب القمع والتعذيب والاعتداء على الحريات العامة قد تطلق العنان يوماً لغضب الشارع، لتكون بداية انهيار وانحسار مشروعهم وبرنامجهم السلطوي، فلا تغيير وإصلاح بدون مقاومة ومصالحة ورؤية ومبدأ وتعزيز صمود الناس.

( انتهى)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق