الخميس، 19 أغسطس 2010

بين قرّطبة ونيويورك

خالد بركات*

1

لا تسالني عن النص النثري الذي نشرته مجلة " الاداب " البيروتية ، عن نيويورك عام 1998 . مرّ الوقت بسرعة، وصارت نيويورك مدينة أخرى. لا تعرف الشعر ، ولا حديث في جعبتها غير " منع المساجد " ومطاردة " مركز قرطبة " الذي سيقام بالقرب من جراند زيرو!

هل تعلم ان المركز سيقام مكان " بيرلنجتون " ( مصنع قديم للمعاطف)

قلت: لكنه يبعد مئات الامتار عن موقع الجريمة!

قال: يا زلمة افغانستان هناك ، عند الله رب العالمين ، وقصفوها..شو مالك إنت؟

2

سالته: هل تذكر كيف كانت نيويورك تحتضن " كل المجاهدين " في مسجد الفاروق على جادة اتلانتيك؟ كيف كانت تدعو شباب الجالية ، علناً ، للمشاركة في الحرب المقدسة ضد الشيوعيين السوفييات؟ ضد الكفار الملحدين؟ هل تذكر كيف كانت نيويورك تحب كل من يشبه بن لادن؟ هل تذكر تلك العلاقة المقدسة بين مسلخ الثري السعودي والشيخ المجاهد ومكتب الاف بي اي؟

لماذا تنسى؟

قال: لا ، لا اذكر.

نيويورك مدينة لم تعد تشبه نيويورك ، لا مدينة تقلدها، ولا عاهرة تتقمصها، ولا أحد يعذبها . هي هي ، مدينة لا تنام ، صبية ، بسيطة ولطيفة المعشر ، نزقة ، عفريتة وقاتلة ، مستوطنة وشرموشة. ولا تنام.

3

نيويورك ،

أرضٌ خفيفةٌ ، تَسترخي على شاطئ هادئ .

قال : كانت!

قلت: فتىً يقرأ " الاجنحة المتكسرة " لجبران ، ويعد الامواج التي لا تتعب.

قال: كان يا مكان.

وفي الضوء البعيد يلمع افريقي من " بروكلن " ، سيصنع لك دولاراً مزركشاً بعد قليل ، يمكنك ان تشتريه ، بدولار ونصف. وهكذا يدور الراسمال وينتصر!

تسيير في فضاء الشارع ، تذهب الى وول ستريت ، حيث تسكن اموال العرب ويستقر نفط العرب. هنا اموال العالم. تحت حذائي تماما، في بطن هذه الارض ، داخل زواريب سرية ، هنا تعيش سبائك الذهب ، هنا دماء الفقراء ومليار جائع ومليون معتقل سياسي ، هنا كل المعادلات مربحة ومريحة ، ودائما، مربحة ومريحةً!

4

نيويورك مدينة من كوكب أخر ، متعددة الاهواء والالوان والاعراق واللغات والاديان والاشياء. تقرأ الشعر وتهديك على عجل ، رشة عطر ويانصيب رصاصة قد تضل الطريق اليك وقد لا تضل. كل يوم هو يانصيب في نيويورك .

لكنك تدمنها الان مثل عادة يومية ، كالتدخين ، والالم والشوق والذكريات. تعطيك رواية " الاشياء تتداعى " للمرة الالف ، وتجمعك مع اللاجئيين الفلسطينيين القادمين من هناك. هنا ، في مقهى دانتي المعتم في " غرينتش فيلج " كنا نلتقي ونقرأ حظنا التعس ونضحك : صبية من طولكرم ، شاب من حيفا، ختيار من نابلس ، وفنان حائر من القدس. كلهم كانوا هنا : جمعتهم نيويورك وفرقتهم نيويورك.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق