الجمعة، 16 يوليو 2010

سقوط الباستيل.. دروس وعبر

أبو كنعان

يحتفل الشعب الفرنسي كل عام في الرابع عشر من يوليو بعيدهم الوطني " Fête Nationale"، الذي أصبح عيداً قومياً للحرية والتخلص من الظلم والجلاد، ففي ذلك اليوم من عام 1789 اقتحمت جماهير باريس الغاضبة سجن لاباستي الذي كان رمزاً للطغيان، وأطاحت بالحكم الملكي المطلق وبالامتيازات الاقطاعية للطبقة الارستقراطية والنفوذ الديني الكاثوليكي الظالم، وكانت بداية لإعلان النظام الجمهوري، وإقرار فصل السلطات والدين عن الدولة والمساواة وحرية التعبير.

صحيح أننا لا يمكن على الإطلاق أن ننسى ونغفر الحقبة الاستعمارية الفرنسية، وجرائمها المروعة بحق الشعوب التي احتلت أراضيها، ومواقفها المنحازة دائماً للاحتلال الإسرائيلي، لكن يحق للشعب الفرنسي أن يفتخر بزمن ناصع من تاريخه، زمن الثورة على الظلم والعدوان والحكام الذين بطشوا بشعبهم ونهبوا مقدراته وعاثوا فساداً وخراباً وإرهاباً، وفي الوقت ذاته لا يمكننا تجاهل حق الشعب الجزائري بالافتخار بمقاومته ونضاله المشروع الذي قاده للاستقلال والتحرر من الاحتلال الفرنسي البغيض.

لو أردنا تسليط الضوء على المشهد الفلسطيني وتعقيداته وظروفه، من خلال استخلاصنا عبر ودروس الثورة الفرنسية وسقوط حصن الباستيل، لأيقنا أن الوضع الفلسطيني الحالي أشد قسوة وظلماً وانتهاكاً للإنسانية من زمن الحكم الملكي في فرنسا قبل سقوط الباستيل، ولكن الاختلاف البسيط أن الشعب الفلسطيني محاصر من احتلال عنصري استئصالي ارهابي، ومقيد بأغلال تسوية مذلة طرحت ثمرة سامة تسمى "سلطة" مارست الظلم والعدوان والقمع بحق الشعب الفلسطيني.

رغم بقعة الضوء التي تتلألأ فجأة وسط هذا الظلام الدامس، من حالة الصمود والتصدي والصبر على الآلام والجراح التي كانت دوماً خبزاً يومياً للشعب الفلسطيني، ورغم رصيدنا النضالي الهائل وتضحياتنا البالغة، وتراثنا المقاوم ومبادئنا من أجل نيل حقوقنا التي لا تسقط بالتقادم، إلا أننا حتى الآن فشلنا تماماً كأحزاب وقوى ومؤسسات وشعب في استثمار هذا الزخم النضالي في التقدم خطوة للأمام تعزز نضالنا الدؤوب ضد الاحتلال، وانشغلنا للأسف في الصراع على كرسي مسخ لسلطة نكرة، لم تستطع أن تطفو بشعبنا لبر الأمان، وإنما أغرقته في بركة ضاحلة فاقدة اللون والطعم والرؤية والوطنية، الأمر الذي يحتم علينا النضال الجدي من أجل خلق بيئة استعداداً للثورة العارمة ضد الاحتلال، والسلطة في آنٍ واحد، بيئة تشبه البيئة التي اقتحم فيها الشعب الفرنسي سجن الباستيل العتيد واستطاع فيها قهر الظلم والعدوان.

التاريخ يتكرر والظروف الحالية مشابهة لطغيان لويس السادس عشر الملكي وحاشيته قبل الثورة الفرنسية، هناك سلطة تطايرت شظاياها لتجزئ الوطن إلى محميات طبيعية لبعض الأشخاص، وإلى قلاع أمنية للتنسيق الأمني وملاحقة المقاومة، وإلى إمارات ظلامية تفرض رؤيتها وقمعها على الناس، زمن لويس السادس عشر تجلى في أبشع صوره في وطن منقسم يبصق دماً وينزف ألماً وحسرة.

صدع " صائب" رؤوسنا وهو يعزف اسطوانته المتكررة المشروخة، " بأن الاجراءات الإسرائيلية الأخيرة في القدس أو الضفة لا تساعد في تقدم العملية السلمية ؟؟ّّّ"، وبشرنا دحلان أخيراً بأن لدى شعبنا بنك خيارات للتعامل مع الفشل الرسمي الفلسطيني وفي مواجهة الضغوط الأمريكية ؟؟ّ أمر يبعث للضحك حقاً، أول مرة في حياتي أعرف أن هناك لشعبنا أرصدة خيارات في ظل سرقة المقدرات العامة وسحب جميع أرصدة الشعب الفلسطيني من قبل الزمرة الفاسدة في السلطة؟؟.. ربما قصد دحلان في خياراته اجراءات البنك العربي وفصله الموظفين وإغلاق مقراته في غزة قرباناً لأمريكا وحتى يبرئ نفسه من دعمه " للإرهاب الفلسطيني".؟؟!!، طبعاً نال مراده وشهد كبار قادة الأمن في دولة الاحتلال لصالح البنك، وهذه شهادة جديرة بالاحترام حقاً ؟؟ّّ.

حتى الخلافة تزعج ملوك غزة، تضطرها للاعتداء والضرب ومطاردة أبناء الفكر والاتجاه الواحد، غريب أمر هؤلاء، هل يخشون إقامة خلافة في غزة تهدد ملكوتهم؟؟.

الأمر الآخر والذي يدخل البهجة والسرور إلى قلب كل فلسطيني هو الجهود الدءوبة التي يقوم بها قادة أجهزة الأمن الفلسطيني الذين تحولوا لناطقين إعلاميين، وأصبح جل عملهم إصدار معلومات دقيقة مدعمة بإلاحصائيات والأرقام والتوقيت لحملات اعتقال قوات الاحتلال للمناضلين هناك، ربما يحظون بدورات مكثفة بهذا الخصوص من سيدهم الأمريكي الجديد " الجنرال مولر" نتمنى ذلك !!

إزاء هذا الوضع الفلسطيني الخطير، وحالة الشلل التي أصابت أركانه الرئيسية، ولهاث القيادة الرسمية حول مفاوضات عقيمة أثبت فشلها، وعدم وجود بنية سليمة لمقاومة حقيقية تكلف الاحتلال ثمناً باهظاً، يجب أن تتجه الأنظار نحو الجماهير الفلسطينية باعتبارها الأمل الحقيقي في حدوث حالة اختراق إيجابية واستنهاض جديدة للمشهد الفلسطيني، ولكن السؤال الجدي المطروح متى تتجرأ هذه الجماهير التي تحدت وما زالت الجبروت الإسرائيلي وجداره العازل، أن تكرر مشهد اقتحام الشعب الفرنسي سجن الباستيل والإطاحة بالملك ؟؟؟!!!، وأن تقوم بالثورة على ظلم السلطة الفلسطينية ضدها !!!، لا أعتقد أن سجن الباستيل أشد طغياناً من المقاطعة والسرايا، وأتمنى من كل قلبي أن تكون المقصلة التي أعدمت الملك لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري انطوانيت، هي العقاب المناسب للمفرطين والذين باعوا القضية الفلسطينية ورهنوها في السوق السوداء الدولية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق