الأحد، 25 يوليو 2010

كنفانيون دائما ؟ أم لمرة واحدة في السنة؟!

خالد بركات*

الصورة الاولى:

عشرات المقالات والتعليقات والنصوص التي كتبت في ذكرى إستشهاد الاديب الفلسطيني المناضل غسان كنفاني . كيف لا ، وهو الانسان – الفنان – المبدع - والذي دفع ثمن مواقفه والتزامه ، عن وعي وقناعة راسخة ، ومن اجل هدفا واضحا لا يعرف غيره: حرية شعبه وتحرير فلسطين.

لكن ما يحز في النفس ، هو ان يكتب احدهم عن " عبقرية غسان كنفاني " ، فيما الرجل موظفا في السلطة ويبرر 364 يوما ً سياسة فلسطينية عقيمة ورثة! واخر يكتب عن " أسطورة الثورة الفلسطينية " و " أديب الثورة والمقاومة الفلسطينية " الخ ، الخ . كان الشهيد غسان كنفاني كل ذلك واكثر، لكن ، علينا ان لا نكون كنفانيون يوماً واحداً في السنة!

كنفاني كان حزمة يومية من المواقف والمبادئ والسلوكيات وروح الفقراء واللاجئين، ويبدو لي ، بان استعادة غسان كنفاني، هي جزء لا يتجزأ من استعادة القضية الوطنيه الفلسطينية وتحريرها من يد " ابو الخيزران " و " الدكتور المثقف " ومن براثن العميل " زكريا " الذي اغتصب " مريم " ثم قال لشقيقها " حامد " : مهر أختك مؤجل ، نعم ، كله مؤجل يا حامد!

**

تماما كالحقوق الوطنيه في ميزان حرف العين : العدو ، وعصابة العجز والعار والعبث.

**

الصورة الثانية:

في ندوة مركز " بدائل برام الله ، يقول رئيس الوزراء الفلسطيني المعين ، سلام فياض ، انه لا يحترم من يصف مشروعه السياسي ب " دولة الفتات " ولا اعرف لماذا يركز السيد فياض على هذا التعبير والذي يجده ، لسبب ما ، فظيعٌ ولا يمكن احتماله! وبان من يصف دولته الفلسطينية الموعودة ب " دولة الفتات " ، يقول فياض ، هو شخص لا يعرف الواقع " هنا" ، ويقول ايضا ، كلما كان الفلسطيني أبعد عن " الوطن " ، كلما كان اشد نقداً لنا وللحكومة ، لماذا؟ يسال فياض!

هكذا يستغرب ويستنكر الرجل في ان واحد . اعرفتم لماذا لا يمكنه ان يكون قائدا ومسؤولا؟!

يحتار رئيس الوزراء الفلسطيني في فهم العلاقة والرابط بين " العجائب الفلسطينية" او الثوابت الوطنيه، ومواقع لتضاد بين معسكريين، فهو لا يرى سبباً لاي دور يمكن ان تلعبه الجغرافية مثلا، فما علاقة المنفى بالموقف السياسي ؟ اوعلاقة الواقع الطبقي بالقضية ؟ لا شك لدي ان موقف اللاجئين الفلسطينيين يحير الرجل ، فلا تقولوا دولة الفتات ، الفتات ، الفتات ، ألف مرة ، وأفقأ عينيك ايها الفلسطيني حتى ترى ما يراه رئيس الوزراء!

الصورة الثالثة:

ليس العيب في ان يكون المرء عضواً في الحزب الفلاني او الفصيل العلاني. فالنضال خارج الاحزاب والجمعيات المنظمة او المؤسسة التنظيم الشعبي ، هو مجرد عبث وخراب يشبه السير في الوعر والرقص في العتمة . لكن البعض يتشاطر ، فيشبه في سلوكه " منطق الزعران " ورِجل ( بكسر الراء الفلسطينية ) شرطي الامن.

لكن يمكن لحزب ما ان يكون أعمى وأطرش وأخرس في ان واحد. هذا هو العيب . او ان تتخلى قيادة الحزب او الفصيل عن رؤية الحزب الجماعية وتتحول الى مجموعة من " البصيّمة " في بلاط السلطان الفلسطيني او العربي او التركي والايراني والامريكي وحتى السنغالي!؟

العيب ايضا ، هو في اعتقاد ساد في " عقل فلسطيني مؤجر" ، يقول ، ان فصيله السياسي وفصيلة دمه ، هي هي ، نفس الشئ ، ويصدق " الاخ " او " الرفيق " ، بعد فترة وجيزة من الطحش والدحش، انه فعلا من كوكب أخر ، وتختلف فصيلة دمه عن فصائل الاخرين ن بل وكل بني البشر. وهؤلاء يستحقوا منا الشفقة ومشاعر الاسى ، لانهم لن يعرفوا لذة المعرفة والاختلاف ولن يتاملوا اختلاف الازهار والالوان..

والبشر

الصورة الرابعة والاخيرة:

قال الجريح : لا تصدق ان المجلس الوطني الفلسطيني " وطني فعلا "، وان المجلس المركزي ، " مركزي اكيد " ولا تصدق اسماء المجالس والمنظمات ، فالاسماء " ببلاش" . لا تصدق ، الا ما تراه عينك ، وما يحز قلبك وراسك ، كنخز الابر أو الرصاص ، أو الحب مثلا!

المثقف الفلسطيني في زمن " العمى" !

خالد بركات


يقال لك هذه الايام أن " مشاورات جادة " و " مداولات يومية " تجري في رام الله وداخل أوساط ومراكز السلطة حول التعديلات الوزارية المرتقبة في حكومة السيد سلام فياض، الخ الخ " حتى تظن أنك اصبحت فعلا أمام " مشاورات ومداولات وحكومة ودولة حقيقية تقوم بتعديلات وزراية ، وتصدق بدورك هذا الفيلم الفلسطيني الممل، وتتعود على هذه " اللغة العربية" التي تبدأ دائما " بالصرف " والتعديل والجر ، وقد لا تنتهي. وهذا ما يأمله المثقف الفلسطيني التقليدي ، صاحب الفكر الرعوي والشعاراتي، الناطق باسم سلطة أوسلو، ومهندس ماكينة التبرير والتضليل التي توظفها مراكز السلطة على هواها!

ما يسمى " بالتعديلات الوزراية " يمكن قرائتها من زاوية ثانية ، إن أردتم ، غير " تنشيط الادارة والوزارات والدم الجديد " ، هذه قصص حفظناها عن غيب ، بل من زاوية هذا التنافس المكتوم حيناً والمتوتر أحيانا، بين " جبهة " رجال الاعمال لبناء الدولة الفلسطينية ، المساهمة المحدودة ، ، وبين ورثة منظمة التحرير الفلسطينية، والذين أجروا ، وأجلوا ، وعطلوا ، وزفتوا السياسة والاخلاق ، وفق مقولة كاذبة عن حماية القرار الوطني الفلسطيني المستقل ، هذا القرار الذي أسلموه فيما بعد غلى ضابط صهيوني صغير يجلس الان في " مكتب الارتباط" برام الله!

هو هو ، اذن ، ذاك الفلسطيني اللاشرعي العجيب ، لا يسمع لاحد، لا لنداء الجوع في المخيمات والحصار الذي يضرب اطنابه في القطاع المحاصر ، ولا لصوت اللاجئين الفلسطينيين ولا يكترث لنداء الوحدة الوطنيه ووقف برنامج التنسيق الامني مع جيش العدو. وهي هي ، تلك العلاقة الهجينة التي تستطيبها البرجوازية الفلسطينية حين تجد من تستاجره ، و " تعلم عليه " في سلم التبعية ، هو مثقف " حكومنجي " و" حكونجي" ، يعرف كيف يرقص على كل الدفوف و( دائماً مع الواقف) كما يقال في المثل الشعبي!

لا يمكن لمثقف تقليدي ، ريفي الوعي ولا يعرف من الحداثة غير " البدلة والساعة والمسدس " ، ان ينتج صحافة فلسطينية مستنيرة غير تقليدية . طالعوا الصحافة الفلسطينية ممثلة بالجرائد التابعة للسلطة الفلسطينية، وكيف تلعب دوراً معيباً وهي تحتضن بعض المثقفين الفلسطينيين الذين لا هم لهم غير تزييف الواقع ، من خلال تجميله او تقبيحه ، الامر سيان ، المهم ان تستمر ماكينة التبرير ، تبرير سقوطهم ورحلة العبث الى دولتهم ، والدولة صنم المرحلة وشعارها الاول، وهذه الدولة صارت الغنيمة المشتركة بين الطرفين الحليفين: الراسمال الفلسطيني في الضفة والقيادة المتهالكة في رام الله ، وكلاهما سستند الى شرعية تاتي من واشنطن وتل ابيب ولندن وباريس..

يدلفع المثقف الفلسطيني عن الدولة ويعتبرها " المشروع الوطني الفلسطيني " قاصدا عن عمد ركن حق العودة للاجئين الفلسطينيين وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني فوق ترابه الوطني. لان الدولة الفلسطينية هي في الواقع مشروعه الخاص الصغير ، لكنه يعتاش وينمو على جسد قضية وطنيه كبرى ، وبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية هي الترجمة الفعلية واليومية لهذا المشروع التجاري التابع للعدو واقتصاده المهيمن. ( الا المستوطنات طبعا التي تنافسه على سوق الغلابا ، لذلك يطالب بمقاطعة منتوجاتها ، ونحن مؤيد المقاطعة ، لكن من زاوية وطنيه وليس لمصلحة تجارية)

يريدنا المثقف السلطوي ان ندخل معه الى جوقة الرقص على ايقاع كارثته، ونبرر في الغد عودة الرئيس الفلسطيني الى طاولة المفاوضات وبيت الطاعة الاسرائيلي ، ونبرر تعطيل الوحدة ونسمي كل ما يجري أنه " تطبيقاً لتوجيهات وقرارات الحكومة وقرار السيد رئيس الوزراء " و" حرص سيادته على انفاذ القانون " ! ويذهب بعض الكتبة الفلسطينيين الى ابعد من هذا العمى ، فهو لم يعد يرى نصوصا مقدسة الا في تراتيل " الورقة المصرية "

بعض هؤلاء وظيفته هي ان لا يخجل ، وان يواصل علك الكلام ، هو الليبرالي الانسوي الان ، الباحث عن " الحقيقة " و"للحقيقة " وجه واحد وحيد ، ما يقوله السيد الرئيس!

يتحدث احدهم عن حماية النظام السياسي الفلسطيني واحترام التعددية ، ويبرر اعتقال المقاومة ؟ يتحدث عن سيادة القانون ، ويسلم احمد سعدات للعدو؟ يتحدث عن الوحدة ، ويتامر على القوى الوطنيه والاصوات الفلسطينية التي لا تقبل بالهوان ؟ هو يركل النظام والقانون والتعددية دفعة واحدة ، ويستمرئ لعبة اجترار هزيمته ، بينما يتأمل الشعب الفلسطيني ويرثي لحالة مثقف ماجور ، وينظر اليه بعين الشفقة والاسى والازدراء.

يراد للفلسطينيين ، ان يتعودوا على هذه " اللغة العربية " ، وهي لغة النظام العربي الرسمي، تبدأ بصرف المديح والدولار ، كما قلنا ، ولا تنتهي بالضم والرفع. توامان يتلازمان في علاقة تشبه الصفقة التجارية. هكذا ، يرتفع المسؤول الفلسطيني الى مقام الالهة ، على يد من يحترف الكذب واللغو. انهما شريحتان ، قوامهما مهزوم يتكأ على مهزوم ، وكلاهما أصابه العمى ، فاشترى نظارة أمريكية واكتشف الحقيقة والحل!

يقال لك هذه الايام أن " مشاورات جادة " و " مداولات يومية " تجري في رام الله وداخل أوساط ومراكز السلطة حول التعديلات الوزارية المرتقبة في حكومة السيد سلام فياض، الخ الخ " حتى تظن أنك اصبحت فعلا أمام " مشاورات ومداولات وحكومة ودولة حقيقية تقوم بتعديلات وزراية ، وتصدق بدورك هذا الفيلم الفلسطيني الممل، وتتعود على هذه " اللغة العربية" التي تبدأ دائما " بالصرف " والتعديل والجر ، وقد لا تنتهي. وهذا ما يأمله المثقف الفلسطيني التقليدي ، صاحب الفكر الرعوي والشعاراتي، الناطق باسم سلطة أوسلو، ومهندس ماكينة التبرير والتضليل التي توظفها مراكز السلطة على هواها!

ما يسمى " بالتعديلات الوزراية " يمكن قرائتها من زاوية ثانية ، إن أردتم ، غير " تنشيط الادارة والوزارات والدم الجديد " ، هذه قصص حفظناها عن غيب ، بل من زاوية هذا التنافس المكتوم حيناً والمتوتر أحيانا، بين " جبهة " رجال الاعمال لبناء الدولة الفلسطينية ، المساهمة المحدودة ، ، وبين ورثة منظمة التحرير الفلسطينية، والذين أجروا ، وأجلوا ، وعطلوا ، وزفتوا السياسة والاخلاق ، وفق مقولة كاذبة عن حماية القرار الوطني الفلسطيني المستقل ، هذا القرار الذي أسلموه فيما بعد غلى ضابط صهيوني صغير يجلس الان في " مكتب الارتباط" برام الله!

هو هو ، اذن ، ذاك الفلسطيني اللاشرعي العجيب ، لا يسمع لاحد، لا لنداء الجوع في المخيمات والحصار الذي يضرب اطنابه في القطاع المحاصر ، ولا لصوت اللاجئين الفلسطينيين ولا يكترث لنداء الوحدة الوطنيه ووقف برنامج التنسيق الامني مع جيش العدو. وهي هي ، تلك العلاقة الهجينة التي تستطيبها البرجوازية الفلسطينية حين تجد من تستاجره ، و " تعلم عليه " في سلم التبعية ، هو مثقف " حكومنجي " و" حكونجي" ، يعرف كيف يرقص على كل الدفوف و( دائماً مع الواقف) كما يقال في المثل الشعبي!

لا يمكن لمثقف تقليدي ، ريفي الوعي ولا يعرف من الحداثة غير " البدلة والساعة والمسدس " ، ان ينتج صحافة فلسطينية مستنيرة غير تقليدية . طالعوا الصحافة الفلسطينية ممثلة بالجرائد التابعة للسلطة الفلسطينية، وكيف تلعب دوراً معيباً وهي تحتضن بعض المثقفين الفلسطينيين الذين لا هم لهم غير تزييف الواقع ، من خلال تجميله او تقبيحه ، الامر سيان ، المهم ان تستمر ماكينة التبرير ، تبرير سقوطهم ورحلة العبث الى دولتهم ، والدولة صنم المرحلة وشعارها الاول، وهذه الدولة صارت الغنيمة المشتركة بين الطرفين الحليفين: الراسمال الفلسطيني في الضفة والقيادة المتهالكة في رام الله ، وكلاهما سستند الى شرعية تاتي من واشنطن وتل ابيب ولندن وباريس..

يدلفع المثقف الفلسطيني عن الدولة ويعتبرها " المشروع الوطني الفلسطيني " قاصدا عن عمد ركن حق العودة للاجئين الفلسطينيين وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني فوق ترابه الوطني. لان الدولة الفلسطينية هي في الواقع مشروعه الخاص الصغير ، لكنه يعتاش وينمو على جسد قضية وطنيه كبرى ، وبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية هي الترجمة الفعلية واليومية لهذا المشروع التجاري التابع للعدو واقتصاده المهيمن. ( الا المستوطنات طبعا التي تنافسه على سوق الغلابا ، لذلك يطالب بمقاطعة منتوجاتها ، ونحن مؤيد المقاطعة ، لكن من زاوية وطنيه وليس لمصلحة تجارية)

يريدنا المثقف السلطوي ان ندخل معه الى جوقة الرقص على ايقاع كارثته، ونبرر في الغد عودة الرئيس الفلسطيني الى طاولة المفاوضات وبيت الطاعة الاسرائيلي ، ونبرر تعطيل الوحدة ونسمي كل ما يجري أنه " تطبيقاً لتوجيهات وقرارات الحكومة وقرار السيد رئيس الوزراء " و" حرص سيادته على انفاذ القانون " ! ويذهب بعض الكتبة الفلسطينيين الى ابعد من هذا العمى ، فهو لم يعد يرى نصوصا مقدسة الا في تراتيل " الورقة المصرية "

بعض هؤلاء وظيفته هي ان لا يخجل ، وان يواصل علك الكلام ، هو الليبرالي الانسوي الان ، الباحث عن " الحقيقة " و"للحقيقة " وجه واحد وحيد ، ما يقوله السيد الرئيس!

يتحدث احدهم عن حماية النظام السياسي الفلسطيني واحترام التعددية ، ويبرر اعتقال المقاومة ؟ يتحدث عن سيادة القانون ، ويسلم احمد سعدات للعدو؟ يتحدث عن الوحدة ، ويتامر على القوى الوطنيه والاصوات الفلسطينية التي لا تقبل بالهوان ؟ هو يركل النظام والقانون والتعددية دفعة واحدة ، ويستمرئ لعبة اجترار هزيمته ، بينما يتأمل الشعب الفلسطيني ويرثي لحالة مثقف ماجور ، وينظر اليه بعين الشفقة والاسى والازدراء.

يراد للفلسطينيين ، ان يتعودوا على هذه " اللغة العربية " ، وهي لغة النظام العربي الرسمي، تبدأ بصرف المديح والدولار ، كما قلنا ، ولا تنتهي بالضم والرفع. توامان يتلازمان في علاقة تشبه الصفقة التجارية. هكذا ، يرتفع المسؤول الفلسطيني الى مقام الالهة ، على يد من يحترف الكذب واللغو. انهما شريحتان ، قوامهما مهزوم يتكأ على مهزوم ، وكلاهما أصابه العمى ، فاشترى نظارة أمريكية واكتشف الحقيقة والحل!

يقال لك هذه الايام أن " مشاورات جادة " و " مداولات يومية " تجري في رام الله وداخل أوساط ومراكز السلطة حول التعديلات الوزارية المرتقبة في حكومة السيد سلام فياض، الخ الخ " حتى تظن أنك اصبحت فعلا أمام " مشاورات ومداولات وحكومة ودولة حقيقية تقوم بتعديلات وزراية ، وتصدق بدورك هذا الفيلم الفلسطيني الممل، وتتعود على هذه " اللغة العربية" التي تبدأ دائما " بالصرف " والتعديل والجر ، وقد لا تنتهي. وهذا ما يأمله المثقف الفلسطيني التقليدي ، صاحب الفكر الرعوي والشعاراتي، الناطق باسم سلطة أوسلو، ومهندس ماكينة التبرير والتضليل التي توظفها مراكز السلطة على هواها!

ما يسمى " بالتعديلات الوزراية " يمكن قرائتها من زاوية ثانية ، إن أردتم ، غير " تنشيط الادارة والوزارات والدم الجديد " ، هذه قصص حفظناها عن غيب ، بل من زاوية هذا التنافس المكتوم حيناً والمتوتر أحيانا، بين " جبهة " رجال الاعمال لبناء الدولة الفلسطينية ، المساهمة المحدودة ، ، وبين ورثة منظمة التحرير الفلسطينية، والذين أجروا ، وأجلوا ، وعطلوا ، وزفتوا السياسة والاخلاق ، وفق مقولة كاذبة عن حماية القرار الوطني الفلسطيني المستقل ، هذا القرار الذي أسلموه فيما بعد غلى ضابط صهيوني صغير يجلس الان في " مكتب الارتباط" برام الله!

هو هو ، اذن ، ذاك الفلسطيني اللاشرعي العجيب ، لا يسمع لاحد، لا لنداء الجوع في المخيمات والحصار الذي يضرب اطنابه في القطاع المحاصر ، ولا لصوت اللاجئين الفلسطينيين ولا يكترث لنداء الوحدة الوطنيه ووقف برنامج التنسيق الامني مع جيش العدو. وهي هي ، تلك العلاقة الهجينة التي تستطيبها البرجوازية الفلسطينية حين تجد من تستاجره ، و " تعلم عليه " في سلم التبعية ، هو مثقف " حكومنجي " و" حكونجي" ، يعرف كيف يرقص على كل الدفوف و( دائماً مع الواقف) كما يقال في المثل الشعبي!

لا يمكن لمثقف تقليدي ، ريفي الوعي ولا يعرف من الحداثة غير " البدلة والساعة والمسدس " ، ان ينتج صحافة فلسطينية مستنيرة غير تقليدية . طالعوا الصحافة الفلسطينية ممثلة بالجرائد التابعة للسلطة الفلسطينية، وكيف تلعب دوراً معيباً وهي تحتضن بعض المثقفين الفلسطينيين الذين لا هم لهم غير تزييف الواقع ، من خلال تجميله او تقبيحه ، الامر سيان ، المهم ان تستمر ماكينة التبرير ، تبرير سقوطهم ورحلة العبث الى دولتهم ، والدولة صنم المرحلة وشعارها الاول، وهذه الدولة صارت الغنيمة المشتركة بين الطرفين الحليفين: الراسمال الفلسطيني في الضفة والقيادة المتهالكة في رام الله ، وكلاهما سستند الى شرعية تاتي من واشنطن وتل ابيب ولندن وباريس..

يدلفع المثقف الفلسطيني عن الدولة ويعتبرها " المشروع الوطني الفلسطيني " قاصدا عن عمد ركن حق العودة للاجئين الفلسطينيين وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني فوق ترابه الوطني. لان الدولة الفلسطينية هي في الواقع مشروعه الخاص الصغير ، لكنه يعتاش وينمو على جسد قضية وطنيه كبرى ، وبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية هي الترجمة الفعلية واليومية لهذا المشروع التجاري التابع للعدو واقتصاده المهيمن. ( الا المستوطنات طبعا التي تنافسه على سوق الغلابا ، لذلك يطالب بمقاطعة منتوجاتها ، ونحن مؤيد المقاطعة ، لكن من زاوية وطنيه وليس لمصلحة تجارية)

يريدنا المثقف السلطوي ان ندخل معه الى جوقة الرقص على ايقاع كارثته، ونبرر في الغد عودة الرئيس الفلسطيني الى طاولة المفاوضات وبيت الطاعة الاسرائيلي ، ونبرر تعطيل الوحدة ونسمي كل ما يجري أنه " تطبيقاً لتوجيهات وقرارات الحكومة وقرار السيد رئيس الوزراء " و" حرص سيادته على انفاذ القانون " ! ويذهب بعض الكتبة الفلسطينيين الى ابعد من هذا العمى ، فهو لم يعد يرى نصوصا مقدسة الا في تراتيل " الورقة المصرية "

بعض هؤلاء وظيفته هي ان لا يخجل ، وان يواصل علك الكلام ، هو الليبرالي الانسوي الان ، الباحث عن " الحقيقة " و"للحقيقة " وجه واحد وحيد ، ما يقوله السيد الرئيس!

يتحدث احدهم عن حماية النظام السياسي الفلسطيني واحترام التعددية ، ويبرر اعتقال المقاومة ؟ يتحدث عن سيادة القانون ، ويسلم احمد سعدات للعدو؟ يتحدث عن الوحدة ، ويتامر على القوى الوطنيه والاصوات الفلسطينية التي لا تقبل بالهوان ؟ هو يركل النظام والقانون والتعددية دفعة واحدة ، ويستمرئ لعبة اجترار هزيمته ، بينما يتأمل الشعب الفلسطيني ويرثي لحالة مثقف ماجور ، وينظر اليه بعين الشفقة والاسى والازدراء.

يراد للفلسطينيين ، ان يتعودوا على هذه " اللغة العربية " ، وهي لغة النظام العربي الرسمي، تبدأ بصرف المديح والدولار ، كما قلنا ، ولا تنتهي بالضم والرفع. توامان يتلازمان في علاقة تشبه الصفقة التجارية. هكذا ، يرتفع المسؤول الفلسطيني الى مقام الالهة ، على يد من يحترف الكذب واللغو. انهما شريحتان ، قوامهما مهزوم يتكأ على مهزوم ، وكلاهما أصابه العمى ، فاشترى نظارة أمريكية واكتشف الحقيقة والحل!


السبت، 24 يوليو 2010

الذئب وهو يفترس الشاه على طاولة المفاوضات


أبو كنعان

أيام قليلة وتعود ريما لعادتها القديمة وسيسجل واقعنا المرير تعاسة جديدة بموافقة الرئيس الفلسطيني محمود عباس على الذهاب دون شروط لمفاوضات مباشرة مع الاحتلال الصهيوني، متسلحاً بدعم فتحاوي وضوء أخضر عربي، وابتزاز وضغط أمريكي وأوروبي.

تؤكد كل الشواهد والأحداث أن السيد عباس سيرضخ خلال الأيام القادمة للضغط الأمريكي والإسرائيلي وسيقبل باستئناف المفاوضات المباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي دون شروط وفي ظل عدم تحقق شرطه بأن الانتقال للمفاوضات المباشرة مرهون بإحراز تقدم في موضوعي الأمن والحدود، وفي استمرار اجراءات الاحتلال على الأرض خاصة في القدس المحتلة، وأخيراً تجاهل الإدارة الأمريكية لمطلبه بضمانات نجاح المفاوضات المباشرة.

عباس هو عباس لا يتغير أبداً.. سيذهب صاغراً إلى المفاوضات المباشرة العبثية والضارة برصيد خالٍ من النقاط، تاركاً ورائه وضع فلسطيني كارثي ممزق، واجراءات اسرائيلية متواصلة لطمس الهوية الفلسطينية، ومعززاً بموقف فتحاوي أقره المجلس الثوري في ختام دورته الرابعة ظاهره دعم كامل له بمواقفه الثابتة والحازمة فيما يتعلق بشروط العودة للمفاوضات المباشرة، وباطنه موافقة مبدئية على استئناف هذه المفاوضات.

كالعادة انهمرت الامتيازات والابتزازات والضغوط الغربية على السلطة الفلسطينية للتحول إلى المفاوضات المباشرة، ولعل حصول السلطة الفلسطينية على 50 مدرعة روسية وما أوصى به جهاز الأمن الإسرائيلي بالموافقة على إدخال هذه المدرعات يصب في هذا الاتجاه، ويعزز استئناف المفاوضات، ويخدم دور أجهزة الأمن الفلسطينية في التنسيق الأمني، وفي ملاحقة المقاومة.

الأمر الآخر والذي يؤكد قرب استئناف المفاوضات المباشرة هو ما حملته الساعات الماضية من أخبار حول موافقة الإدارة الأمريكية على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني، ورفع العلم الفلسطيني على مدخل مكتب ممثلية منظمة التحرير وسط العاصمة الأمريكية واشنطن، ومنح المكتب مزيداً من الرموز السيادية وصفة واسم البعثة العامة، وكانت الحكومة الفرنسية قد قررت أيضاً بشكل رسمي رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني في فرنسا من مفوضية عامة إلى بعثة فلسطين بحيث تسمى سفارة.

من المؤكد أن هذه الهبات والمكرمات من الإدارة الأمريكية والغرب تستهدف تسمين الشاه الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة، ليتسنى للذئب افتراسها على طاولات المفاوضات المباشرة، فما فائدة تسمين الشاه ما دام الذئب سيأكلها ويفترسها؟ ولماذا خرجت هذه الشاه من القطيع؟؟ وماذا فعل القطيع لمحاكمة هذه الشاه التي خالفت كل التقاليد وغردت خارج السرب؟ سؤال برسم الإجابة..

لنستخلص العبر ونستحضر دائماً كلمات الأديب الراحل غسان كنفاني ففيها الترياق الشافي، فلقد علمنا أن "الإنسان قضية، وكم من الأحداث البسيطة تغير مجرى حياة الإنسان وتحدد مستقبله، فعقدة السبحة رغم أنها اصغر من أي حبة من حباتها، لكن إذا ما فلتت تكر السبحة بكاملها، أحياناً يخرج ماعز من أجل قشرة فاكهة فيجر القطيع خلفه".

فلماذا لا يحاسب القطيع هذا الماعز المارق ؟؟!!

( انتهى)

"بن غوريون" الفلسطيني.. خذ العبرة من ناجي العلي

أبو كنـعان


(1)


كان رسام الكاركتير والمناضل القومي العربي الفلسطيني الكبير ناجي العلي ثائراً وليس مطبعاً مع " إسرائيل" ، عبّر في رسوماته الكثيرة عن غضبه الشديد من هؤلاء المطبعين الذين كانوا سبباً رئيسياً في تنامي مأساة فلسطين، فشن حرباً من خلال رسوماته على الأجواء السامة التي شهدتها المنطقة من تطبيع وتطويع وتسوية، وشبههم بالرجال بالمتكرشين بأقفية مكشوفة وهم يركعون تحت أقدام " الخواجات" الأمريكيين والبريطانيين والإسرائيليين وسلام فياض واحداً من هؤلاء.

لقد عرى العلي أولئك الذين لا يكفون يوماً بعد يوم عن الضجيج والمديح للسلام والتسوية وغصن الزيتون والتطبيع، وأصبح التسول وحده لغتهم لاسترجاع الحق !!، ولقد كان العلي قاسياً على حمامة السلام ورآها غراباً يحوم فوق رؤوسنا، ولم يقتنع ببراءة هذه الحمامة، لأن هذا العالم كان ضميره ميتاً وتجاهل حقنا في فلسطين، معتبراً السلام الذي يطالبون به على حساب شعبنا وحقوقه وعودته.

هكذا كان دائماً ناجي العلي ضمير فلسطين الحي، معبراً عن الثوابت الوطنية الفلسطينية، وضد السياسات الهابطة التي مارستها – وما زالت تمارسها – مجموعة متنفذة من قيادة الشعب الفلسطيني، ولعلنا نستذكر رسوماته الكثيرة التي تضمنت جملة " كامل التراب الوطني" حتى ندرك ثباته في مواجهة تمييع النضال الفلسطيني، وقد تنبأ المناضل العلي فعلاً بمآل هذه التسوية على شعبنا الفلسطيني، وويلاتها عليه.

سلام فياض أو " بن غوريون الفلسطيني" كما وصفه أخيراً رئيس الدولة المسخ " شمعون بيريس" ارتكب خطيئة جديدة ضد شعبنا وثوابته وقضيته، عندما شارك في مؤتمر " هرتسليا للأمن القومي الإسرائيلي" وهو مؤتمر صهيوني سنوي تنظمه دولة الاحتلال لوضع الاستراتيجيات والخطط الأمنية مستقبلاً، ويشارك فيه سياسيين وعسكريين ومفكرين صهاينة يتبادلون الآراء والنقاشات وتكون خلاصة نقاشاتهم رؤية تطبقها دولة الاحتلال على الأرض.

إذن شارك هذا " الفياض" في هذا المؤتمر الصهيوني، الذي ناقش المشروع النووي الإيراني، والسياسة الأمنية الصهيونية، والعملية السياسية، والأزمة الاقتصادية العالمية..إلخ، وصدرت منه أصوات تهدد بشن الحرب على الجميع، بل وتدمير السلطة الفلسطينية وطرد عباس، وإلحاق الضفة بالأردن، وغزة بمصر.

جاء فياض لاهثاً متسللاً تاركاً وراءه دماء فلسطينية في نابلس وغزة لم تجف بعد، وبيوت مدمرة في غزة والقدس ملأ غبار أطلالها الأجواء، وأصابت أعين فياض بالعمى، فكان رده حاسماً جازماً على هذه الدماء... على دماء شهداء الأقصى الأبطال في نابلس... " أن السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية استطاعت إنجاز الكثير من القضايا المهمة في الضفة، وأهمها في مجالات الأمن !!!" أي عار هذا.. لقد وصل مستوى انحطاط هذا الرجل إلى مستوى خطير لا يمكن السكوت عليه.

(2)

لقد رسم ناجي العلي "لأصل فلسطين" أي فلسطين الوطن الواحدة الكاملة " من البحر للنهر" وليس الأرض المجتزأة ، أو الأرض الموبوءة بالحكم الذاتي أو التي يطلق عليها " أ" أو " ب" أو " ج" ، ولقد شكلت شخصية حنضلة عنده أيقونة روحية من السقوط كلما شعر بشئ من التكاسل، مشيراً أنه كالبوصلة بالنسبة له وهذه البوصلة تشير دائماً إلى فلسطين .

على النقيض من ذلك تقمص " سلام فياض" – رجل أمريكا والغرب العصري " أمام مؤتمر هرتسليا" صورة رجل السلام، والحلول والمرحلة، مؤكداً أن عهد الدولة الفلسطينية (على مقاسه طبعاً) قادم، ولكن الجواب على تصريحاته هذه لم تتأخر كثيراً من داخل المؤتمر نفسه عندما رفضها نتنياهو بشدة، أي أن آراء فياض والتي أصفها بأنها "أقل من الهابطة" مرفوضة من جانب الاحتلال، فما الذي انتفع به فياض من هذا المؤتمر ؟؟ سوى أوسمة ونياشين تنسيقه الأمني مع الاحتلال برعاية دايتون.

استغربت كثيراً من بعض التصريحات النشاذ الصادرة عن حفنة من الفاسدين والمتنفذين والمستفيدين الفلسطينيين أمثال سئ الصيت والسمعة " توفيق الطيراوي" وبعض المنتفعين في غزة ورؤساء التحرير المتفذلكين كحافظ البرغوثي، والتي أشادت بخطاب " فياض" أمام مؤتمر " هرتسليا" ، وتوقعت أيضاً مسارعة وكالات أنباء فلسطينية تدّعي المهنية والحياد وعلى رأسها – وكالة معاً – في تصدير ظهور فياض وخطابه في هذا المؤتمر للرأي العام الفلسطيني، على أنه خطاب كخطابات " جمال عبد الناصر" لحظة تأميم قناة السويس، أو كخطاب صلاح الدين الأيوب لحظة دخوله القدس، وانهالت رسائل المديح والإعجاب بهذه التصريحات من خلال خدمة الـ SMS التي قامت بإرسالها هذه الوكالة للرأي العام الفلسطيني لتضرب مصداقيتها، ولتفضح علاقتها المباشرة بهذا الفياض، وللأسف هذه الوكالة بالذات ترسل لنا سموم فياض على هيئة عسل !!!!

أدعو شعبنا لتبيان الموقف الحقيقي الواضح من موضوع فياض في مؤتمر " هرتسليا" ، ويجب عدم الانخداع بخطابه أو بتلك التصريحات التي تشيد به والبعيدة كل البعد عن القيم الوطنية، فالموضوع ليس خطاب فياض أمام المؤتمر أو المقياس عند البعض إن انحرف عن البرنامج الأوسلوي أم لا، فالمشكلة هي بمشاركة فياض نفسه بهذا المؤتمر، إن حضور فياض في هذا المؤتمر بمثابة خيانة لتضحيات ودماء شعبنا، ولضحايا الإجرام الصهيوني الذي يقف فياض بينهم في هذا المؤتمر، فهذا هو الموقف الصحيح، لذلك على أبناء شعبنا أن يتوخوا الحذر في تعامل وسائل الاعلام المرتبطة بفياض مع هذا الموضوع.

(3)

ناجي العلي لاجئ فلسطيني وصف مخيمه عين الحلوة بأنه مثل أي مخيم آخر ، وأنه مثل أبناء المخيمات الذين هم أبناء ارض فلسطين لم يكونوا تجارا وملاكاً , كانوا مزارعين فقدوا الأرض وفقدوا حياتهم فذهبوا إلى المخيمات، هو ابن المخيم الذي تعرض للموت ولكل المهانة ولكل القهر، وهناك عائلات كاملة استشهدت في مخيماتنا.

هذا هو الفرق بين ناجي اللاجئ ابن المخيم، وبين فياض المغترب ابن الغرب، طبعاً "خيمة عن خيمة تفرق" ، فخيمة اللجوء والتشرد المليئة بالثقوب التي لا تقي برد الشتاء وحر الصيف، مختلفة عن الخيمة التي تحولت لبناية أو ناطحة سحاب أو مركز " للتنسيق الأمني" يرفرف عليها علم دولة "الموز" الفلسطينية التي سيأتينا بها فياض بعد عامين، تحت شعار" تحيا دولة الموز حرة دايتونية مستقلة".

كل شئ في فلسطين أصبح ملوثاً بوثيقة فياض " إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة" التي تحتوي على الكثير من التنازلات والاسقاط السياسي والوطني، لدرجة أن الكثير من المؤسسات الرسمية الفلسطينية تقوم بحملة إعلامية لهذه الوثيقة، فضلاً عن جمعيات فلسطينية ممولة من فياض، بالإضافة إلى مخطط لبعض الزمر الفلسطينيين لتغييب دور الشتات واللاجئين في الغرب عن طريق تحويله لمغترب وإسقاط حق العودة، وهذا للأسف مبعث الخطورة، حيث أنه تم إحلال وثيقة فياض وشعاراتها بديلاً عن الشعارات الوطنية ومواجهة الاحتلال، المقاومة الشعبية، بديلاً عن المقاومة بكافة أشكالها، وزاد من استهجاني أن تنشر هذه الوثيقة في مقدمة موقع وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وهذا الأخطر طبعاً، ففياض لم يكترث فقط في محاولته إذهاب عقول أبناءنا وطلابنا في شعارات " السلام والتطبيع والتمييع والذل والاستسلام والمقاومة الشعبية وأسلوة وأنجزة المجتمع" ، بل يهدف لتلويث القيم والثوابت والمنهج الفلسطيني القائم على المقاومة والتحرير، ولذلك فإني أحذر من عواقب نشر هذه الوثيقة على مواقع يستخدمها طلابنا وأبناءنا، ولن أستغرب أن يقوم فياض بالمستقبل بحذف جزء من المنهاج الفلسطيني الحالي ( والذي عليه ملاحظات طبعاً) ليحل محله وثيقة إنهاء الاحتلال وإعلان الدولة خاصته.

لقد قدّم ناجي العلي " حنضلة" للرأي العام كطفل له أفق وطني وقومي وكوني وإنساني، لا تنطبق عليه قوانين الدنيا لأنه استثناء، كما فقدان الوطن استثناء، رسم ناجي حنضلة الطفل ملتقياً وجهاً لوجه مع الناس وكان يحمل الكلاشينكوف وكان أيضا دائم الحركة وفاعلاً وله دور حقيقي . يناقش باللغة العربية والإنكليزية بل أكثر من ذلك، فقد كان يلعب الكاراتيه.....يغني الزجل ويصرخ ويؤذن ويهمس ويبشر بالثورة، فهو في العاشرة وسيظل في العاشرة حتى يعود الوطن ، عندها فقط يكبر حنظلة و يبدأ في النمو " و كان يقول عنه أيضاً " هذا المخلوق الصغير الذي ابتدعته لن ينتهي من بعدي بالتأكيد و ربما لا أبالغ إن قلت أنني سأستمر به بعد موتي".


ولذلك يجب علينا أن ننفض فياض وممارساته المشينة وفكره الاستسلامي، وعلينا أن نتحرك جميعاً في التصدي لمخططاته في كسر الإرادة الفلسطينية وجرها لميدان الاستسلام، وكما قال ناجي العلي " هكذا أفهم الصراع: أن نصلب قاماتنا كالرماح ولا نتعب"، إذن علينا أن نتوحد حتى نقاوم ونقاوم ونقاوم.

( انتهى)

الجمعة، 16 يوليو 2010

سقوط الباستيل.. دروس وعبر

أبو كنعان

يحتفل الشعب الفرنسي كل عام في الرابع عشر من يوليو بعيدهم الوطني " Fête Nationale"، الذي أصبح عيداً قومياً للحرية والتخلص من الظلم والجلاد، ففي ذلك اليوم من عام 1789 اقتحمت جماهير باريس الغاضبة سجن لاباستي الذي كان رمزاً للطغيان، وأطاحت بالحكم الملكي المطلق وبالامتيازات الاقطاعية للطبقة الارستقراطية والنفوذ الديني الكاثوليكي الظالم، وكانت بداية لإعلان النظام الجمهوري، وإقرار فصل السلطات والدين عن الدولة والمساواة وحرية التعبير.

صحيح أننا لا يمكن على الإطلاق أن ننسى ونغفر الحقبة الاستعمارية الفرنسية، وجرائمها المروعة بحق الشعوب التي احتلت أراضيها، ومواقفها المنحازة دائماً للاحتلال الإسرائيلي، لكن يحق للشعب الفرنسي أن يفتخر بزمن ناصع من تاريخه، زمن الثورة على الظلم والعدوان والحكام الذين بطشوا بشعبهم ونهبوا مقدراته وعاثوا فساداً وخراباً وإرهاباً، وفي الوقت ذاته لا يمكننا تجاهل حق الشعب الجزائري بالافتخار بمقاومته ونضاله المشروع الذي قاده للاستقلال والتحرر من الاحتلال الفرنسي البغيض.

لو أردنا تسليط الضوء على المشهد الفلسطيني وتعقيداته وظروفه، من خلال استخلاصنا عبر ودروس الثورة الفرنسية وسقوط حصن الباستيل، لأيقنا أن الوضع الفلسطيني الحالي أشد قسوة وظلماً وانتهاكاً للإنسانية من زمن الحكم الملكي في فرنسا قبل سقوط الباستيل، ولكن الاختلاف البسيط أن الشعب الفلسطيني محاصر من احتلال عنصري استئصالي ارهابي، ومقيد بأغلال تسوية مذلة طرحت ثمرة سامة تسمى "سلطة" مارست الظلم والعدوان والقمع بحق الشعب الفلسطيني.

رغم بقعة الضوء التي تتلألأ فجأة وسط هذا الظلام الدامس، من حالة الصمود والتصدي والصبر على الآلام والجراح التي كانت دوماً خبزاً يومياً للشعب الفلسطيني، ورغم رصيدنا النضالي الهائل وتضحياتنا البالغة، وتراثنا المقاوم ومبادئنا من أجل نيل حقوقنا التي لا تسقط بالتقادم، إلا أننا حتى الآن فشلنا تماماً كأحزاب وقوى ومؤسسات وشعب في استثمار هذا الزخم النضالي في التقدم خطوة للأمام تعزز نضالنا الدؤوب ضد الاحتلال، وانشغلنا للأسف في الصراع على كرسي مسخ لسلطة نكرة، لم تستطع أن تطفو بشعبنا لبر الأمان، وإنما أغرقته في بركة ضاحلة فاقدة اللون والطعم والرؤية والوطنية، الأمر الذي يحتم علينا النضال الجدي من أجل خلق بيئة استعداداً للثورة العارمة ضد الاحتلال، والسلطة في آنٍ واحد، بيئة تشبه البيئة التي اقتحم فيها الشعب الفرنسي سجن الباستيل العتيد واستطاع فيها قهر الظلم والعدوان.

التاريخ يتكرر والظروف الحالية مشابهة لطغيان لويس السادس عشر الملكي وحاشيته قبل الثورة الفرنسية، هناك سلطة تطايرت شظاياها لتجزئ الوطن إلى محميات طبيعية لبعض الأشخاص، وإلى قلاع أمنية للتنسيق الأمني وملاحقة المقاومة، وإلى إمارات ظلامية تفرض رؤيتها وقمعها على الناس، زمن لويس السادس عشر تجلى في أبشع صوره في وطن منقسم يبصق دماً وينزف ألماً وحسرة.

صدع " صائب" رؤوسنا وهو يعزف اسطوانته المتكررة المشروخة، " بأن الاجراءات الإسرائيلية الأخيرة في القدس أو الضفة لا تساعد في تقدم العملية السلمية ؟؟ّّّ"، وبشرنا دحلان أخيراً بأن لدى شعبنا بنك خيارات للتعامل مع الفشل الرسمي الفلسطيني وفي مواجهة الضغوط الأمريكية ؟؟ّ أمر يبعث للضحك حقاً، أول مرة في حياتي أعرف أن هناك لشعبنا أرصدة خيارات في ظل سرقة المقدرات العامة وسحب جميع أرصدة الشعب الفلسطيني من قبل الزمرة الفاسدة في السلطة؟؟.. ربما قصد دحلان في خياراته اجراءات البنك العربي وفصله الموظفين وإغلاق مقراته في غزة قرباناً لأمريكا وحتى يبرئ نفسه من دعمه " للإرهاب الفلسطيني".؟؟!!، طبعاً نال مراده وشهد كبار قادة الأمن في دولة الاحتلال لصالح البنك، وهذه شهادة جديرة بالاحترام حقاً ؟؟ّّ.

حتى الخلافة تزعج ملوك غزة، تضطرها للاعتداء والضرب ومطاردة أبناء الفكر والاتجاه الواحد، غريب أمر هؤلاء، هل يخشون إقامة خلافة في غزة تهدد ملكوتهم؟؟.

الأمر الآخر والذي يدخل البهجة والسرور إلى قلب كل فلسطيني هو الجهود الدءوبة التي يقوم بها قادة أجهزة الأمن الفلسطيني الذين تحولوا لناطقين إعلاميين، وأصبح جل عملهم إصدار معلومات دقيقة مدعمة بإلاحصائيات والأرقام والتوقيت لحملات اعتقال قوات الاحتلال للمناضلين هناك، ربما يحظون بدورات مكثفة بهذا الخصوص من سيدهم الأمريكي الجديد " الجنرال مولر" نتمنى ذلك !!

إزاء هذا الوضع الفلسطيني الخطير، وحالة الشلل التي أصابت أركانه الرئيسية، ولهاث القيادة الرسمية حول مفاوضات عقيمة أثبت فشلها، وعدم وجود بنية سليمة لمقاومة حقيقية تكلف الاحتلال ثمناً باهظاً، يجب أن تتجه الأنظار نحو الجماهير الفلسطينية باعتبارها الأمل الحقيقي في حدوث حالة اختراق إيجابية واستنهاض جديدة للمشهد الفلسطيني، ولكن السؤال الجدي المطروح متى تتجرأ هذه الجماهير التي تحدت وما زالت الجبروت الإسرائيلي وجداره العازل، أن تكرر مشهد اقتحام الشعب الفرنسي سجن الباستيل والإطاحة بالملك ؟؟؟!!!، وأن تقوم بالثورة على ظلم السلطة الفلسطينية ضدها !!!، لا أعتقد أن سجن الباستيل أشد طغياناً من المقاطعة والسرايا، وأتمنى من كل قلبي أن تكون المقصلة التي أعدمت الملك لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري انطوانيت، هي العقاب المناسب للمفرطين والذين باعوا القضية الفلسطينية ورهنوها في السوق السوداء الدولية.

الثلاثاء، 15 يونيو 2010

عملية الخليل "الارهابية"...

أبو كنعان

أصاب رئيس وزراء حكومة رام الله السيد سلام فياض بإدانته اليوم حادثة إطلاق النار "الإرهابية" التي أدت إلى مقتل شرطي إسرائيلي " برئ" جنوب مدينة الخليل، وأعجبني موقفه الحكيم وتشديده الحازم بأن السلطة الوطنية ستتخذ كافة الاجراءات الكفيلة بمنع المخربين من استهداف سيادة دويلة فلسطين الفياضية الديمقراطية القادمة، ومنع تكرار مثل هذه الأعمال الإجرامية بأي وسيلة ممكنة، والتي أثبتت التجربة أنها أضرت بالمصالح الوطنية وخدمت المشروع الاستيطاني الإسرائيلي على حد قوله.

وأنحني إجلالاً وإكباراً له على رباطة جأشه إزاء ما قام به " الإرهابي" ابن بلدة سلوان زياد محمد الجولاني، من اعتداء آثم على الشرطة " الإسرائيلية" الجمعة الماضية، فدماءه التي نزفت وأغرقت مدينة القدس وأحيائها القديمة ليست زكية ولا يحق لها أن تسيل في ذلك المكان. لأنها خارج حدود الدولة الفلسطينية العتيدة.. وجيد أن تغض البصر سيدي فياض على حملات جيش الاحتلال في المدينة المقدسة وهدمها البيوت في سلوان والعيسوية وواد الجوز والشيخ جراح.. فسياستك قاطعة مستقيمة تتسم بالحياد واحترام القانون، فلا تقبل أن يعيش هؤلاء الأهالي في بيوت غير مرخصة.

أوافقك الرأي تماماً، أنه لا يحق لأهالي عراق بورين وقرى نابلس ومزارعي الضفة البسطاء هتك عرض براءة المستوطنين هناك.. لا نقبل إطلاقاً استثئار قرى نابلس بنفسها وطمعها الشديد في الاستفادة من الزيتون لوحدها دون مشاركة المستوطنين في حصادهم.. فالشراكة الحقيقية والعيش بسلام ووئام تحت ظل دولتين واحدة فلسطينية وأخرى " إسرائيلية" تقتضي مشاركة غلاة المستوطنين أهالي الشعب الفلسطيني في رزقهم، ومن حقهم في إطار هذه الشراكة حرق الأشجار وترهيب الأهالي ونهب الخيرات.. !!!

سيدي .. ينبغي منكم اتخاذ إجراءات أكثر حزماً وقوة ضد كل من تسول نفسه تهديد السلم الأهلي والالتزامات مع الاحتلال، فالجميع يشيد بقواتكم الشجاعة المرابطة على الثغور.. جيد أن يكون كل شئ تحت السيطرة وأن ينعم الاحتلال وغلاة مستوطنيهم وماشيتهم وكلابهم بالهدوء وبالأحلام السعيدة الوردية.. طالما قواتنا لديها إصرار غريب على تحطيم الأرقام القياسية في اجراءات لعب دور الحارس الأمين للاحتلال.

يا مرحبا بدولة سيادة القانون.. وبإبر الديمقراطية التي تحقن بها أبناء شعبنا في الضفة المحتلة.. وأشد على يديك بأنه لا يحق لأحدٍ كان أن يحقن نفسه بإبر وأجندات خارجية كانت سبباً في تعطيل الانتخابات المحلية الأخيرة !! .. فالديمقراطية الحقة والتي تصل بنا لحلم الدولة الموعودة هو المحافظة عما تبقى من كرامتك وأن تصمت.. وتصمت.. فلا صوت يعلو فوق صوت القانون والمؤسسات!!! فالصمت في حرم دولتك سيدي فياض جمال!!

سيدي الكريم فياض.. استأذن وأطلب منك تسهيل مهمة إعطاء تصريح لي بمزاولة فلسطينيتي ومغادرة ضميري.... وإنسانيتي.. فلا داعي لها في حضرة سيادتكم وحكمتكم البالغة وحرصكم على انسياب الهدوء من نوافذنا... فلا يحق لي وللشهيد الجولاني وللصامدين في القدس المحتلة ولأهالي عراق بورين وللمحاصرين في غزة.. ولمنفذي عملية الخليل البطولية أن يمارسوا فضيلتهم بالمقاومة وحقهم بالدفاع عن النفس..

أصبح الأمر مملاً ومقرفاً جداً سيدي فياض.. عندما أسمع تراهاتك تراودني رغبة حقيقية في التقيؤ.. وتأتيني رغبة جارفة في الرحيل بعيداً حاملاً هويتي وثقافتي وكرامتي ومقاومتي خارج حدود دولتك المسكينة.. باتجاه الدولة الحقيقية فلسطين الواحدة كاملة التراب والتي لا تقبل القسمة على اثنين.

( انتهى)

الأحد، 13 يونيو 2010

كأس العالم وحركة فتح !!

أبو كنعــــــان

يبدو أن حمى كأس العالم اجتاحت تصرفات أعضاء حركة فتح وطالت الناطقين باسمها ليصرحوا بأشياء بعيدة عن المنطق تماماً تكشف عمق الأزمة التي تعاني منها الحركة.. أزمة ثقة جعلتها عاجزة تماماً عن تشكيل قوائم موحدة وقوية ومناسبة في قرى ومدن الضفة الفلسطينية المحتلة، كانت سبباً رئيسياً في اتخاذ حكومة فياض - بضغط فتحاوي- قراراً بتأجيل هذه الانتخابات إلى أجلٍ غير مسمى.

صاغت حركة فتح تبريرات وأسباب وحجج واهية لقرارها التأجيل، ولم يتبقَ لها سوى كأس العالم الذي افتتحت فعالياته الجمعة الماضي لتلقى اللائمة عليه، وتبرر هذا التأجيل بانشغال جماهيرنا بالضفة المحتلة بالبطولة العالمية على حساب الانتخابات المحلية، الأمر الذي قد يفقد فتح أصوات جمهورها وفوزها الساحق في جميع المناطق !!!!!

سؤال يتبادر لذهني دائماً وأود توجيهه لقادة ومتحدثي حركة فتح. متى تدركون أن الواقع تغير، وأنكم لستم اللاعب الحقيقي على الأرض، وأنه لا يحق لكم تقرير مصير مستقبلنا، واعتبار أفعالكم ومواقفكم شرع وقوانين ربانية ملزمة لشعبنا هبطت عليه من السماء!!.

ضحكت عندما رأيت التصريح المتعثر والمرتبك لأحمد عساف المتحدث باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح وهو يكيل الاتهامات جزافاً على فصائل فلسطينية عارضت قرار حكومة فياض تأجيل الانتخابات، وضحكت أكثر عندما وصفها بالانتهازية السياسية... وقصر النظر، وأنهم يسعون لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصالح العليا للشعب الفلسطيني؟؟؟، وكأنه – أي عساف - في تصريحه الغريب يحاول امتصاص الحقيقة المتأصلة داخله وهي أن حركته فشلت أيضاً في سوق تبريرات واضحة ومعقولة لقرار تأجيل الانتخابات يضاف لقرار التأجيل نفسه.

أليس قرار التأجيل وحرمان الشعب الفلسطيني من التعبير عن رأيه بانتخاب ما يراه مناسباً هو قمة الانتهازية السياسية أخي عساف !!، وهل أضحت الحركة بتأجيلها الانتخابات في صالح المجموع الفلسطيني الذي رفض هذه الخطوة!!!

أريدك يا عساف أن تعلمنا ديمقراطية المدينة الفاضلة الفتحاوية حتى نبتعد عن أهدافنا الخبيثة من تحقيق مكاسب ومصالح شخصية ومواقع، ومن استثمارنا لديمقراطيتكم التي توزعونها كالورود على جمهور الضفة المحتلة!!!

يتناقض عساف في تصريحه مع نفسه فتارة يسوق المبررات لخطوة فتح بتأجيل الانتخابات، وتارة يحذر من التطاول علي فتح وعلى إنجازاتها الديمقراطية !!! فكيف يستقيم قرار التأجيل بإنجازات الديمقراطية!! سؤالي المباشر لعساف ؟

الجميع يعرف، الصغير قبل الكبير، الفتحاوي العادي قبل القيادي أن قرار تأجيل الانتخابات نابع عن فشل ذريع لحركة فتح في تشكيل قوائمها وتخوفها من نتائج الانتخابات، خاصة وأن سيناريو هزيمتها في الانتخابات السابقة يلوح في الأفق، حيث أنها تخشى السقوط هذه المرة أمام تحالف قوى اليسار الفلسطيني والمستقلين، فضلاً عن اتجاه بعض القيادات الفتحاوية لعشيرته لأنه يثق بها أكثر من حركة فتح نفسه، بالإضافة إلى عدم توافقها على قائمة موحدة للحركة والدليل على ذلك ترشيح أمين مقبول للبلدية، في الوقت الذي رشح غسان الشكعة نفسه لهذه الانتخابات.

ولذلك، لا أعتقد أن الكوابيس التي تراود حركة فتح من استمرار الانقسام، ورغبتها في إنهاءه والاتجاه نحو المصالحة، هو من جعلها تتعاطى مع قرار التأجيل وكأنه تلبية لنداءات عربية ووطنية ولمصالح الشعب الفلسطيني العليا، وكأن مصالح شعبنا وإنهاء حالة الانقسام مرتبطة كالحبل السري بالقرار الفتحاوي بتأجيل الانتخاب، ولا يمكن أن تتحقق المصالحة إلا إذا تأجلت الانتخابات المحلية في الضفة!! فنعم قرار التأجيل وموقف فتح الحكيم !!!.

للأسف، أحمد عساف في تصريحه غير المبرر على الإطلاق يطعن الديمقراطية الفلسطينية في الظهر، ويوجه كيل من الاتهامات الخطيرة لفصائل فلسطينية معارضة تنافست مع فتح، وشكلت قوائمها بشكل يتيحه القانون ونجحت في ذلك تماماً، ولكن الأخطر هو اتهام هذه الفصائل بخدمة أجندات خارجية لا صلة لها بالقضية الفلسطينية على حساب المصلحة العليا لشعبنا، يجب التدقيق ملياً في أهداف وتبعات هذا التصريح، ويجب على جماهير شعبنا وقواه السياسية والوطنية وحتى الشرفاء في حركة فتح ألا يمروا مرور الكرام على هذا الاتهام الخطير، ويجب على الحركة محاسبته، لأنها تصريحات خطيرة بالفعل.

للأسف يا عساف " فوبيا السيطرة والنظرة الفئوية الحزبية الضيقة" التي تعاني منها حركة فتح، هي رؤيتها الحقيقية الملموسة على الأرض وليست كما تدعّي رؤية وطنية شاملة.

ايضاً، أستغرب ربط وعزوف بعض الفصائل عن التحالف مع حركة فتح في هذه الانتخابات، بالخشية من إغضابها إيران وغيرها من دول الإقليم!!!! فما علاقة انتخابات ديمقراطية كانت ستحدث وسيشارك كل فصيل وقائمة ببرنامجها، ومن سيحظى ثقة الناس سيفوز !!!!، إن هذه محاولة مكشوفة هدفها نزع الشرعية القانونية عن هذه الانتخابات، وجر الوضع الفلسطيني لتصعيد خطير يطال الحريات العامة التي يكفلها القانون، وهي حق الناس في اختيار الجهة التي تراها مناسبة.

يستمر أحمد عساف في عزف مقطوعته التناقضية في تصريحه الغريب، حيث يقطع الشك باليقين ويؤكد أن حركة فتح نجحت فعلياً في تشكيل قوائم موحدة في جميع المناطق !! في حين أنه في نفس التصريح يناقض كلامه بالقول " أن الدكتاتوريات الصغيرة مارست الإرهاب بحق خيرة كوادرها وأجبرتهم على الانسحاب من العملية الديمقراطية!!! "، أتمنى على عساف الإجابة " هل تشكلت قوائم لفتح، أم انسحبت !!!؟ حيرتنا يا رجل .

التجربة تقول، أنه لا يمكن لحركة فتح أن تكيل الاتهامات لبعض الفصائل بالفساد الذي راكم واستشرى سنوات عديدة داخل مؤسساتها، والذي أصبح سمة عملها، وسبباً رئيسياً في خسارتها الانتخابات أمام شعبها أولاً قبل خسارتها أمام حركة حماس.

إن تصريح عساف الذي تمنطق به وكأنه أرسطو عصره وزمانه، وتفاخره بما أقدمت عليه حركة فتح من قتل الديمقراطية، لا يصب في المصلحة الوطنية، ولا في جهود انهاء الانقسام والمصالحة، وعلى الحركة أن تعترف بفشلها الجديد على هذا الصعيد، وألا تدافع عن قرار التأجيل عبر تصريحات واهية تحفظ ماء وجهها الذي سكبت عليه ماء النار، ففشلها لا يفقدها قيمة بوزن كأس العالم مثلاً، بل يفقدها قيمة اكبر وأكبر وهي شعبها ووزنها وتاريخها ومصداقيتها التي تآكلت كثيراً.. فعودوا لرشدكم..

ُ( انتهى)

الجمعة، 4 يونيو 2010

غزة تعانق الزوربا اليونانية...

أبو كنعان


أعيانا التعب ونحن ننظر بلهفة بالغة لأمواج بحر غزة المتلاطمة وهي تنهب البحر بهديرها الغاضب لعلها تأتينا بأخبار جديدة عن أسطول الحرية، التي أذاعت وسائل الإعلام اقترابه رويداً رويداً من مياه غزة... أصابنا طول الانتظار بالدوار في ليلة ما قبل الحادث الأليم ...هزمنا التعب ولكن بقينا مسكونين بالأمل أن يأتي القمر الذي يتلصص بنوره على المياه المترامية الأطراف بالخبر اليقين عن مصير الأسطول.. كنا نتوقع معركة مباشرة بين المتضامنين والاحتلال الإسرائيلي الذين توعدوهم بمنعهم من الوصول إلى شاطئ غزة... لم يذهب تفكيرنا بأبعد أن تكون معركة المواجهة المباشرة معهم هي معركة صمود وتحدي.. معركة كر وفر.. ينجح المتضامنون فيه بالوصول لهدفهم المنشود أو لا.. ولم نتوقع مجزرة صهيونية أصابت الإنسانية جمعاء بالصدمة والغضب والجزع.. جريمة مسحت القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وقوانين حقوق الإنسان وحماية المدنيين والعزل بأقدام قوات الكوماندز الإسرائيلية الجبناء.....

تخلصنا من هول الصدمة وأدركنا عندها أن ما حدث كان امتداداً طبيعياً لما عرفناه وعايشناه من جرائم الاحتلال الإسرائيلي، ولكن هذه المرة اجتازتنا هذه الجرائم لتصيب في مقتل العالم الحر كله، وكشفت الوجه الحقيقي للاحتلال، ولشريعة الغاب التي ترأسها الولايات المتحدة الأمريكية المناوءة للاحتلال.

تابعت عن كثب مآل الجريمة البشعة، وردود الفعل الغاضبة من جميع أنحاء العالم، وسبحت بعاطفتي وتضامني مع الشهداء الذين سقطوا في الأسطول عبر تصفح مواقع الانترنت بعد أن فجعت عيناي ومسامعي بما تعرضه الفضائيات من أخبار مكررة حول هذه الكارثة، وبعد أن أصبت بعطب شديد في التركيز نتيجة الإرهاق الشديد وقلة النوم، والغضب المكبوت الذي سرى في جسمي، وإذ برسالة معروفة العنوان محببة إلى قلبي تصلني على بريدي الالكتروني.. وجاءت لتخلصني ولو لدقائق معدودة مما أصابني والجميع من هول الجريمة الإسرائيلية.

كانت رسالة باللغة العربية من بريد الكتروني ملقمه يوناني، مزدانة بالموسيقى الحزينة المشهورة للموسيقار اليوناني NICO، وبذل صاحب الرسالة جهداً كبيراً في إثراء عبارات الرسالة بعبارات حزينة، متعاطفة، متأثرة، رغم عدم اتقانه للغة العربية بشكلٍ كامل يستطيع من خلاله إيصال حجم العاطفة والحزن الجياش الصادر عنه جراء الجريمة الصهيونية في عرض البحر.

مضمون الرسالة لم يكن بعيداً عن مشاعري التي تأثرت بالحادث، وإن كان الشئ الجديد فيها دعوة للتضامن من الشعب اليوناني للشعب الفلسطيني ولشهداء الأسطول.. من شعبٍ كان يضم الأسطول نفسه متضامنين منهم. وعلمهم يرفرف شامخاً بجوار أعلام فلسطين وتركيا والجزائر وأعلام البلدان الأخرى..

لهذا عشقت اليونان وأهلها.... صحيح أن عشقي الأبدي المجنون هو لوطني فلسطين، إلا أنه لا يعني ذلك اغفال كريات عشق حمراء تجري في عروقي وتمتزج رويداً رويداً بأوصالي وتهتف تارة باسم فلسطين.. وأخرى باسم رديفتها بالعشق " اليونان" ( هيلاس) .

قد يتساءل البعض عن هذا السر الكامن بداخلي، والذي جعل اليونان مختلفة اللغة والهوية والعادات والتقاليد منافساً حقيقياً لعشقي فلسطين رغم أنني لم أزرها يوماً ولم ينجذب قلبي ويخفق لإحدى الأثينيات مثلاً ... وليس لأن اليونان كانت تمثل طفولة البشرية الأولى، ومهد الحضارة الإنسانية، وفيها ترعرعت الديمقراطية والفلسفة والحضارة الغربية، ولا لأنها في بعض فترات حياتها اتبعت سياسة داعمة لقضيتنا الفلسطينية العادلة، وليس لطبيعتها الساحرة .. ولا لتشابه الملامح الغريب بين الفلسطيني واليوناني.. بل لأن سيدة يونانية اسمها بيلاجيا – وهي بالتأكيد صاحبة الرسالة- التقيتها أول مرة في ربيع 2002 على الحدود المصرية – الفلسطينية، ألهمتني وأسقتني ترياق عشقي الجديد لليونان.. وجعلت لها مكانة خاصة في قلبي بجوار فلسطين.

لم تألو ذاكرتي جهداً في الاحتفاظ بلحظات لقاءاتي القليلة معها وجهاً لوجه بين جنبات مخيمات رفح وخان يونس وغزة، وبعد تصاعد الأمور في قطاع غزة عام 2003 ومغادرتها والأجانب وحركات التضامن نتيجة القصف الإسرائيلي العنيف آنذاك، أصبح الفضاء الافتراضي وسيلتي الوحيدة للتواصل معها، فتابعت بيلاجيا عن كثب الأوضاع الفلسطينية، وكنا بين الحين والآخر نتبادل الرسائل عن مجمل الأوضاع الفلسطينية، وأحياناً تأخذ هذه الرسائل طابع الحوارات (الاستفسار والأسئلة والإجابة). بالسياق العام كنا أمام امرأة تفتحت لهفتها الشديدة وتألمت وحزنت وبكت لمآل الوضع الفلسطيني القائم لتأخذ بأدق التفاصيل التفاصيل عنه.. كأنها عربية الانتماء، فلسطينية الهوية، وتنوع مشاربها لترسل لي رأيها اليومي أو استفسارها من موضوع أو حادثة ما، وبعد مرور سنوات على حوارنا المتواصل، ومنذ أن أخبرتني أخيراً أنها ستلتحق بقافلة أسطول الحرية المتوجه لغزة( تراجعت لمرضها)، أيقنت أهمية سرد المادة الحوارية التي دارت بيني وبينها اعدة سنوات لأهميتها.

لم يكن وجودها في منطقة ساخنة كرفح رغبة منها في التمتع بالجو الربيعي أو الاستجمام في رمال رفح الحارقة، أو حضور قداس في ليلة عيد الميلاد بكنيسة قرب الحدود، بل التصدي لجرافات الاحتلال التي تتقدم باتجاه الأرض الفلسطينية لتفقدها ربيعها، وبيوتها أهلها، وأطفالها كتبهم المدرسية ولعبهم، وشبابها مستقبلهم وأحلامهم.

لم تغادر ملامحها ذاكرتي المريضة بالنسيان ووجع الحياة كل هذه السنوات ولعل حادث الأسطول الجلل، جعل ملامحها ترتسم أمامي كأنها موجودة وجهاً لوجه أمامي، كانت امرأة في نهاية الأربعينيات، اغريقية الملامح.. طويلة القامة كمرتفعات ليندوس ، نحيفة الجسم، غلب شعرها البياض كالثلوج التي تسقط على جبل أوليمبوس في شتاءٍ قارصٍ، تمتلكان عينان زرقاوتان حادتان كالبحر الهادر الذي يحيط بجزيرة كريت، كانت فارسة بمعنى الكلمة كاخليس المحارب اليوناني الاسطوري، تتحدث العربية بأسلوب ركيك مفهوم.. وأحياناً تتمتم بالإنجليزية التي تجيدها بطلاقة.. وإن غضبت من أمرٍ ما أطلقت ليونانيتها العنان بسباب وصراخ غير مفهوم المعالم.

أكسبتها شجاعتها وشجاعة جميع المتضامنين الأجانب في الدفاع المستميت عن أهالي مخيم رفح المنكوب احترام الجميع، وبدت كقديسة يونانية تضاهي حكمة أفلاطون أعظم فلاسفة اليونان، وجرأة سقراط ودفاعه عن حريته باستماتة والتي دفع حياته ثمناً لها، وانشداد أرسطو لحرية العيش بسلام وطمأنينة، إلا أنها كانت شرسة وقوية كمقاتلة اسبرطية قديمة، برز ذلك واضحاً في استماتتها في محاولة منع تقدم البلدوزارت الصهيونية تجاه المنازل الفلسطينية رغم تقدم سنها.

كانت رومانسية الروح، عميقة المشاعر.. تعشق الفلكلور اليوناني.. خاصة موسيقى الزوربا الشهيرة.. متفوقة على رقصة الممثل القدير " أنطون كوين " الشهيرة بفيلمه الخالد " زوربا اليوناني"، كما وعشقت الدبكة الشعبية الفلسطينية واعتبرت الدبكة والزوربا امتداد لتراث أصيل لشعبين طالما عبرا عن حبهما لبعضهما البعض، ورثت عن جدتها حبها لأغاني سيد درويش، حيث عاشت هذه الجدة بمدينة الإسكندرية.. تلك المدينة التي امتزجت بها الشخصية العربية السكندرية وتعمّدت بالشخصية اليونانية، ونتيجة لذلك ليس غريباً أن تتطبع الشخصية السكندرية بطابع وروح الحضارة اليونانية العاشقة للحياة، وبرز ذلك في وقوف اليونانيين مع إخوانهم المصريين بنضالهم ضد الاستعمار البريطاني.

كانت تفترش الأرض على الحدود المصرية عندما تعرفت عليها، وتنظر بحسرة بالغة لشجرة زيتون اقتلعتها جرافة صهيونية مع سور منزل لا يبعد كثيراً عن الحدود، وسألتها من باب الفضول بالانجليزية " عن جنسيتها وسبب تأثرها الشديد من رؤية شجرة زيتون وقد اُقتلعت من الأرض"، على اعتبار أن هناك مشاهد أكثر مأساوية أصابت المنطقة، كما وأن الأهالي هناك تعودوا على مشاهد الدمار والهدم وحتى الدماء".

تهللت أساريرها وكأنها تمنت أن ينفض أحد ما الحزن الكامن بداخلها وابتسمت وقالت بعربية ركيكة " أنا يونانية، أعشق الثقافة العربية، وأؤيد القضية الفلسطينية، ارتبطت فيها منذ سنوات المراهقة وعاصرت أحداثها وتفاصيلها، حيث نشأت في عائلة أكثر اقتراباً للعرب وهمومهم وقضيتهم من أصولها الأوروبية".

شدني حديثها، وقادني لسؤالها عن الظروف التي أثرت عليها، وأدت بها لأن تكون في بقعة تعتبر من أشد المناطق الفلسطينية سخونة وخطورة، قالت لي: " جئت هنا لوحدي، بعد معاناة كبيرة نتيجة رفض الاحتلال دخولي في البداية، حيث لم أكن أحمل بطاقة صحافية أو تنسيق من السفارة اليونانية لدخول القطاع، ولم أكن عضوة بأي حركة من حركات التضامن التي تنتشر في قطاع غزة، إلا أن إصراري على دخول القطاع أدى بالسفارة اليونانية للتنسيق لي ودخول القطاع للمرة الأولى في حياتي، فقد كانت زيارتي عفوية جداً، ونتيجة لعهد قطعته على نفسي أن أزور هذا القطاع وهذه البقعة ( رفح) بالذات، وحكاية هذا العهد بدأت عندما كنت بإحدى مستشفيات القاهرة لزيارة ابنة صديقة مريضة، هالني مشهد طفلٍ صغير ينتمي لمدينة رفح يصارع الموت في احدى مستشفيات القاهرة نتيجة إصابته إصابة خطيرة في جميع أنحاء جسده، جراء إطلاق قوات الاحتلال عليه قذيفة دبابة في إحدى توغلاتها وعدوانها اليومي على أحياء مخيم رفح، وزاد من هول الصدمة ما أخبرني به الطبيب المعالج للطفل أن ردهات وغرف المستشفى وغرف العناية المركزية مليئة بإصابات مماثلة لأطفال أصيبوا من العدوان الإسرائيلي المتواصل على مناطق مختلفة في القطاع خاصة بمنطقة رفح.

عندها استطردت بيلاجيا وأجابتني على سؤالي السابق وقالت " إن سر حزني على شجرة الزيتون التي اقتلعها الاحتلال هو حبي لهذه الشجرة التي تتزين بها جميع أنحاء اليونان كما فلسطين، وجزعي لاقتلاع هذه الشجرة هو أنني أرى دائماً هذه الشجرة شامخة لم أتعود أن تبلغ البشرية يوماً حد الدناءة والجبن لاقتلاع هذه الشجرة بالذات".

لا أستطيع سرد جميع الرسائل التي وصلتني من بيلاجيا، أو ردودها على رسائلي ولكن لأهمية مضمون بعضها، والتي استطعت فيها تحديد معالم وأهمية التضامن الدولي مع قضيتنا الوطنية، وجدت في هذه الرسائل كنزاً معرفياً ليونانية انغرست في المشهد الفلسطيني كأنها فلسطينية فعلاً، كان سر سعادتها الدائم، وحتى لوغاريثم انسياب دموعها على وجنتيها، أمر مرتبط بالقضية الفلسطينية.

أخبرتني أن سعادتها البالغة تملكتها في الماضي وهي ترى الشعب الفلسطيني يقود مسيرة النضال الفلسطيني ويبادر بالانتفاضة الشعبية الأولى، واعتبرت استمرارها مفتاح الحل للقضية التي شغلتها، ولكنها بكت بعدها عندما وقعت القيادة الفلسطينية بالفخ ووقعت اتفاقية السلام، عندها أيقنت أن القيادة الفلسطينية قد طعنت شعبها في ظهره.

تردد دائماً في تعقيبها على مواقف وسلوكيات القيادة الفلسطينية " يا لهذه القيادة الغبية !!! حاصرت شعبها.. وجوعته.. وحشرته في الزاوية من أجل سراب "..

عبرّت في مناسبات عدة عن احترامها الشديد وحبها للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكانت ترى فيها الأمل، واعتبرت مؤسسها الدكتور جورج حبش قديس النضال الفلسطيني، الذي لم تنحرف بوصلته قط عن مسارها... لم تخفِ إعجابها بالأديب الراحل غسان كنفاني وكيف قاتلت يوماً من أجل الحصول على رائعته " رجال في الشمس" مترجمة باللغة اليونانية...

كانت تمتلك عمقاً سياسياً بالقضية الفلسطينية وموقفاً محترماً لا تستطيع كتيبة من قيادات السلطة المترهلة الإلمام أو الإحساس بها.. حزنت كثيراَ مما حملته الرياح الآتية إليها من الأراضي الفلسطينية من انقسام واقتتال فلسطيني. واعتبرته أشد قسوة من بذور السلام التي سممت الأرض الفلسطينية.

تحتفظ في بيتها بصورة كبيرة للطفل الفلسطيني " فارس عودة" وهو يواجه بحجره دبابة كبيرة على تخوم غزة، وصفته بالمقاتل الأسبرطي الذي واجه العواصف وخاض غمار المعارك بيديه العاريتين وانتصرت شجاعته في النهاية، لخصت المشهد الفلسطيني آنذاك بالقول: " إن المستقبل سيقول كلمته أخيراً للفلسطينيين، فإن شجاعة طفل فلسطيني يقف بصدره العاري ويواجه جنود يستترون داخل دبابة مدججة بمختلف الأسلحة ستنتصر أخيراً".

بكت يوم استشهاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، رغم أنها عارضت جزءه الثاني من حياته، أدركت بعد اشتعال الانتفاضة الثانية أن عرفات يحاول استعادة بريق ثورته ونفض تبعات أوسلو عنها، ولكن الموت الإسرائيلي لم يمهله كثيراً في تصحيح مساره القديم، لهذا بكت وبكت كثيراً وكأنها فلسطينية الجنسية المستقبل الفلسطيني يهمها، وكل المشهد اليوناني والحياة هناك لا يعنيها..

سبب العلاقة المتميزة بيني وبينها أن أفكارنا كانت متوحدة في المواقف والثوابت والآراء والمشاكسة بالمواقف والعناد، رغم فلسطينيتي ويونانيتها، كانت تقول لي لدائماً "أنت ابني الذي لم أنجبه".

كان يجمعنا حب العمل ، وإن تضايقت كثيراً من انشغالي بالعمل أحياناً عن الرد على رسائلها العديدة، وإن خالفتني أيضاً في حب الفرنسيات، فكانت بشكل تهكمي ساخر تصفهن بالثرثارات والفوضويات، معتبرة ارتباط الفلسطيني بهن خطأ تاريخي قاتل.

رفضت باستمرار طلبي منها التوقف عن التدخين، فقد كانت تدخن بشراهة كبيرة، وكانت تعتبر التدخين وسيلتها الوحيدة للتعبير عن غضبها من هذا العالم.

باختصار، سكن إله الحرية داخلها، أعطاها عنفواناً وقدرة غير عادية على الصمود والاحتمال، كان بريدها الالكتروني يحتوي على خاطرة اقتبستها من جملة شهيرة لسقراط عند محاكمته: " ليس على الأرض إنسان له الحق في أن يملي على الآخر ما يجب أن يؤمن به أو يحرمه من حق التفكير كما يهوي..يجب عليهم أن يتركوا الناس أحراراً".

عرفت أخيراً أن السبب الرئيسي الوحيد في عدم التحاقها في أسطول الحرية، هو استفحال المرض بداخلها.الذي أرقدها بيتها وأبعدها عن عملها ونشاطها، عندها أدركت أن هذا المرض اللعين أوقف زهرة حرة يانعة، كما أوقف الاحتلال الإسرائيلي الأسطول في عرض البحر وما تبعه من جريمة نكراء.

تضامننا الشديد معها، ومعهم، تمنياتنا بالشفاء العاجل لها ولهم، لن ننسى تضحياتها وتضحياتهم، يوماً ما سيكون ضمائر هؤلاء الأحرار جسراً لنا لتحقيق مرادنا في الاستقلال والعودة.

( انتهى)