الجمعة، 22 أبريل 2011

رفيقي "فيتوريو" وسادتك بالبارد ما زالت دافئة




أيمن أنور
في أجواء حماسية وحزينة وتصفيق وهتافات مؤيدة للشعب الفلسطيني وعلى إيقاع الأغنية اليسارية الإيطالية الشهيرة " بيلا تشاو بيلا تشاو" استقبلت جموع إيطالية وفلسطينية حاشدة ورفاق من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مطار روما جثمان الشهيد المتضامن الإيطالي " فيتوريو أريغوني"، والذي استشهد في قطاع غزة بأيادٍ غادرة من أذرع الاحتلال الإسرائيلي. ومن المفترض أن تشيع جثمانه يوم الأحد القادم في مسقط رأسه بإحدى ضواحي ميلانو.
ما يميز حفاوة الاستقبال من جانب رفاق دربه وأصدقائه وعائلته وحركة التضامن الإيطالية مع الشعب الفلسطيني أن أعلام فلسطين ورايات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لم تغيب عن ساحة المطار، وامتزجت بأعلام إيطاليا وصور المناضل الإيطالي أريغوني.
هم خاطبوا روحه التي تعمّدت بحب فلسطين وشعبها.. بأنها حاضرة في وجدانهم ولن تستطيع جماعات مارقة مشبوهة غريبة عن عادات وتقاليد الشعب الفلسطيني أن تمنع تضامنهم ووقوفهم إلى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله العادل من أجل نيل استقلاله وحريته.
لسان حالهم ينشدون البيلا تشاو ويقولون وداعاً رفيقنا مت وأنت تودع جميلتك كلاوديا.. وداعاً وأنت تقاوم.. وداعاً وأنت ستدفن أعلى الجبل وتحت ظل زهرة جميلة...وداعاً رفيقي وكل الذين سيمرون هناك سيقولون .. كم كانت هذه الزهرة جميلة.. زهرة الفدائي... الذي مات من أجل الحرية.. من أجل بحر غزة الذي روضت موجه الهادر بأنشودة " أناديكم".. ومن أجل شاب فلسطيني شاركته الرقصات والدبكة الشعبية في عرسه الذي أقامه بين أطلال بيته المدمر شمال غزة.. من أجل فتية جنوبيين ردمت حياتهم وأحلامهم تحت الأنفاق.. ومن أجل أطفال عائلة السموني التي كنت لهم نعم الأخ والأب والصديق وشاركتهم أفراحهم وأحزانهم وخيمتهم.
نعتذر إليك رفيقي الغالي من أولئك الذين استقبلوا جثمانك على معبر رفح براياتهم الحزبية.. لم تصلهم رسالتك بعد.. لكنها وصلت فعلاً إلى جبهتنا.. جبهة الحكيم وأبو علي وأبو غسان.. التي رفضت رفضاً قاطعاً أن تمتلك وحدها شرف إقامة جنازة رسمية مهيبة له في القطاع، رغم أن هذا حقها تماماً بصفته أحد رفاقها الإيطاليين المقربين منها، لأنها جبهة الجماهير تدرك جيداً أنه كان صديقاً للشعب الفلسطيني كله وليس للجبهة وحدها.. لذلك طلبت من جميع رفاقها وكوادرها الانخراط بالجموع الحاشدة في تشييعه في قطاع غزة، وحمل علم فلسطين وصور الرفيق الراحل.
رفيقنا الغالي.. كم تمنى رفاقنا بمخيم نهر البارد أن يشاركوننا تشييعك.. وأن ينثروا على جثمانك الورود.. كيف لا وأنت شاركتهم بناء مكتبهم في المخيم طوبة طوبة بعد المعارك الأخيرة بين الجيش اللبناني وأعضاء فتح الإسلام في المخيم... وسادتك وفرشتك هناك ما زالت دافئة تنتظر روحك الطاهرة على أحر من الجمر.. كم يشتاق رفاقنا بالبارد.. شيوخه ونساءه.. لابتسامتك المعهودة وضحكتك التي كانت لا تفارقك.. نفتقد عشقك لوطنك الآخر فلسطين الذي استوطن داخلك..
إلى اللقاء رفيقي.. لن ننساك ما حيينا.. وسنرفع شعاراتك التي ناديت بها من أجل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.. لنكون بشر فعلاً..وصلت الرسالة.

( انتهى)

الجمعة، 25 فبراير 2011

النضال الافتراضي ليس بديلاً عن الحركة الوطنية

أيمن أنور
تحاول السلطة الفلسطينية جاهدة إنقاذ ما تبقى من كيانها وسلطتها،عن طريق اجترار مواقف فاشلة هادفة لاستباق أي ارتدادات وانعكاسات على وضعها وحكمها الذاتي المحدود في الداخل الفلسطيني لزلزال التغيير العربي الذي أطاح بأعتى دكتاتوريات المنطقة العربية والذي تتقاطع مواقفه تماماً مع مواقف السلطة الفلسطينية، وهو الرئيسي المصري محمد حسني مبارك، الذي أُجبر على التنحي بعد ثورة شعبية مصرية عارمة، ومن قبله أجبرت ثورة شعبية مماثلة في تونس على الإطاحة برمزٍ آخر من رموز التبعية والاستبداد والطغيان زين العابدين بن علي. كما وشهدت دول عربية أخرى احتجاجات وانتفاضات شعبية بوتائر مختلفة كليبيا والجزائر والبحرين والعراق، أكدت على أن عملية سقوط أحجار الديمانو تباعاً قد بدأت بالرئيسين التونسي والمصري، وستستمر بالسقوط وستأخذ في طريقها كل أنظمة التبعية والظلم والفساد والخذلان، وأثبتت التحليلات السياسية والوقائع العملية أن السلطة الفلسطينية لن تكون بمنأى عن عملية التغيير هذه لارتباطها الموضوعي والمنهجي بنظام كامب ديفيد، والتطبيع والتبعية.
" ثورة الكرامة" أول السقطات..
المأزق الجدي الذي تعيشه القيادة الفلسطينية المتنفذة والسلطة الفلسطينية حالياً – خاصة بعد تسريبات قناة الجزيرة لوثائق المفاوضات، والذي أثبت صحة ما توقعه السواد الأعظم الفلسطيني من تنازلات كبيرة تورطت فيها هذه القيادة في مفاوضات عبثية وراء الكواليس ، وضعها لأول مرة منذ إنشاءها في خطر يتهدد وجودها وكيانها واستمرارها، وجاءت التطورات العربية الأخيرة والانتفاضات الشعبية التي قادها الشباب وصغار السن، لتزيد من هذا الخطر، وتقضي على أي أمل في استقرار مسيرة التسوية والمفاوضات التي راهن عليها هؤلاء المنتفعون والفاسدون، وأصبحت المسافة تزيد بينهم وبين شعبهم رويداً رويداً، هم بفسادهم وخنوعهم في وادٍ وشعبنا بآلامه وصموده ومعاناته بوادٍ آخر، وجعلها تسقط في أول اختبار عملي بعد ثورتي تونس ومصر، باستباق الثورة عليها من الشباب الفلسطيني بالإعلان عن ثورة افتراضية لا معنى ولا رؤية ولا أهداف لها، ودعمتها بالخفاء وأوهمت عدد كبير من الشباب المخدوعين بأنها ثورة حقيقة وهبة جماهيرية شرعية شريفة وامتداد طبيعي للمجموعات الافتراضية في العالم العربي والتي انطلق منها الشباب لخوض انتفاضتهم ضد أنظمتهم، وقامت السلطة الفلسطينية، وأسمتها " ثورة الكرامة" وتدثرت أهدافها الخبيثة وراء شعار " الشعب يريد إنهاء الانقسام" وحددت رؤيتها من هذا الشعار بالثورة ضد الظلم والقمع الممارس من قبل حركة حماس، وضد كبت الحريات، والدكتاتورية والقمع والظلم في قطاع غزة، كما صرح به القيادي في حركة فتح توفيق الطيراوي.
من حيث المبدأ أنا لا أختلف مع أي جهة شبابية أهدافها نبيلة بإطلاق مبادرة ومجموعة باسم " ثورة الكرامة" تحدد أهدافها بإنهاء الانقسام، ومواجهة كبت الحريات والدكتاتورية والقمع والظلم في قطاع غزة، وأعترف أنه يُمارس فعلاً من قبل الأجهزة الأمنية في غزة، ولكن الأمانة تقتضي منا ألا ننظر في عين واحدة، ويحتم علينا أن يشمل شعارنا الضفة المحتلة، ومواجهة الممارسات المماثلة والقمعية التي يرتكبها أفراد الأجهزة الأمنية في الضفة ضد جماهير شعبنا، ولذلك فشلت هذه الدعوة الاحتجاجية الحزبية الفئوية في تأطير الجماهير والنزول للشارع.
فياض وتشكيلة الحكومة السقطة الثانية..
وسقطت السلطة الفلسطينية في اختبارها الثاني عندما احتج عدد من الشباب الفلسطيني على دعوته إياهم للمساعدة في اختيار وزراء جدد من خلال صفحته بموقع فيسبوك الاجتماعي، حيث برروا احتجاجهم أن فياض يحاول اجترار المواقف المبدئية واستباق ثورة افتراضية حقيقية على كيانه المسخ، عبر دعوتهم للمشاورة في حكومة غير شرعية، وواحدة من ثمرات الانقسام السامة كحكومة غزة أيضاً، وكأنه يقول لهم ابتعدوا بدعواتكم عن هذه الحكومة نحن الشرعية، والرسمية، ونقود الحداثة والديمقراطية، وأنا أقودكم لدولة عصرية عاصمتها مدينة الروابي، وباستطاعتكم توجيه سهام احتجاجكم نحو الطرف الآخر".
ج
ثورات الفيس بوك ما لها وما عليها ،،،
حاولت خلال الأيام الماضية مراقبة التطورات الراهنة على الصعيد الافتراضي، والخطوات المتسارعة التي تبناها مجموعة من الشباب الفلسطيني بمختلف انتماءاتهم – أعتبرها خطوات شرعية ومبررة ومنطقية، وأتمنى أن تتطور وتأخذ منحى تنفيذي والانطلاق نحو الرؤية والهدف الحقيقيين – وبعد متابعة حثيثة على مدار الساعة لمجريات المجموعات التي تشكّلت لفت نظري مجموعة من الملاحظات وقع فيها مؤسسيها، والتي تؤثر إلى حد كبير في وصولهم للتقدم خطوة كبيرة نحو هدفهم المنشود، فقد وقع المحظور وغابت الشعارات المركزية وراء شعارات ثانوية، وسيطرت الرؤى الشعاراتية الافتراضية، على الرؤى الواقعية العملية، وعجزهم عن صياغة أهداف تراتبية تبدأ بأهدافنا الإستراتيجية كشعب يخوض مرحلة تحرر وطني، وتنتهي بالأهداف العامة والحياتية والاجتماعية والاقتصادية، لم أجد مجموعة واحدة ابتعدت عن العاطفة قليلاً، وسجلت رؤية متكاملة واضحة ومتينة تلقى قبولاً من الجميع، ويلتف حولها الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، وجدت شباباً انتابتهم حالة تحدي جميلة ليست غريبة على أبناء شعبنا، وإن عبروا عنها بعاطفة جياشة مزجت مواقفهم الخاصة والشخصية في حدثٍ معين تعرضوا له في مواقف يجب أن تكون موحدة ذات طابع وهدف واضحين تعكس القدرة على قراءة الواقع بشكل حقيقة وواعٍ بعيداً عن الاجتهادات الشخصية، وبالطبع هذا الرأي لا يقلل أبداً من مشاركات مميزة لبعض الشباب حددت رؤيتها وأهدافها ووصفت الواقع بطريقة واعية ومحترمة، يمكن البناء عليها في نجاح أي عمل موحد مطالب به خلال الأيام القادمة.
اتجاه هؤلاء الشباب بسرعة نحو تقليد أحداث تونس ومصر عبر إنشاء غرف افتراضية هدفها تحريك الحالة الفلسطينية الراكدة، أوقعهم بهفوة أخرى بالغة، وهي أنهم لم يحسنوا تقدير الأسباب الحقيقة للثورتين وكانوا مغيبين فعلاً عن تراتبية الأحداث التي كانت تعصف بالعالم العربي خاصة في تونس ومصر، والتي بدأت منذ سنوات ماضية وأنتجت تراكمات انفجرت فجأة وكانت شرارتها حدث معين هنا وهناك.
وقع شبابنا في خطأ قاتل، أنهم حددوا آليات عملهم كاملة وأفنوا جهدهم في العالم الافتراضي، وهم لم يلتقطوا بشكل كامل ما حدث في مصر وتونس لأنهم فعلياً بعيدين عن هذه الأحداث منذ سنوات، فمحاولات أنجزة هؤلاء الشباب واستيعابهم ضمن منظومة ليبرالية تقبل بالسلم الأهلي، ومواضيع حقوق الإنسان والمجتمع الفاضل، تبتعد رويداً رويداً عن قيمنا وثوابتنا الفلسطينية وموقفنا من الاحتلال، كانت سبباً في عدم التقاط هؤلاء الشباب أن الثورة والانتفاضات الشعبية المتتالية في العالم العربي لم تبدأ من العالم الافتراضي والفيس بوك والتويتر – وإن كانت وسائل مهمة ساعدت في هذه الثورات - بل بدأت من الشارع وبشكل تتابعي تراتبي متتالي ينتقل من حدث وردود على هذا الحدث، حتى نضجت فعلاً هذه التراكمات، وولّدت ثورة جماهيرية.
المدونات المصرية ومجموعات الثورة خير مثال
إذاً انتظرت الثورتين المصرية والتونسية سنوات عدة للنضوج، مثال على ذلك نجاح الشباب المصري في نقل معاناتهم وممارسات أجهزة الأمن المصرية للنظام السابق بحقهم إلى العالم الافتراضي، والتي لم تبدأ في الخامس والعشرين من يناير الماضي، بل منذ عام 2004، من خلال مدونات سجلت الواقع المصري المعاش، احتوت على كتابات، وتحقيقات، وصور، ومقاطع فيديو للجرائم والممارسات التي كانت ترتكبها الأجهزة الأمنية في أقسام الشرطة مثلاً.
هذه المدونات والتي نقلت ما يدور في الشارع المصري إلى العالم وحركت خطوات احتجاجية في الشارع نفسه، لم يتسم عملها بحروب الدردشة وتبادل الشعاراتية، بل في إثراء هذا التوثيق ونقل المعلومات، بخطوات الاحتجاج على الأرض، وقيادتهم حملات ومظاهرات ضد سياسة الحكومة المصرية، وضد توريث الحكم، والفساد والدعوة للإصلاح والتغيير، حتى أصبحت تلك المدونات مكتبة هائلة من صور المظاهرات والندوات والمحاضرات والتصريحات حول القضايا المصرية الشائكة، وهذا ما لم يقوم به شبابنا الفلسطيني، حيث تأخر في هذا المضمار، وقفز عنها إلى مرحلة الافتراضية دون خوض هذه التجارب التي توثق الممارسات للانتهاكات في الداخل الفلسطيني.
لو تابعنا حقاً ما جرى من نهضة شبابية مصرية في السنوات الأخيرة، لأيقنا أننا ما زلنا في بداية الطريق، وتأخرنا فعلاً، ولم ينزل شبابنا للميدان للاحتجاج على واقعهم المزري، بل استغلت بعض الأطراف طاقاتهم لإثارة البغض والكراهية على بعضهم البعض، أدى إلى امتزاجهم في ثقافة الانقسام ولعبوا دوراً سلبياً في هذه الحالة. كيف سنمضي قدماً في ثورة افتراضية، ونحن لم نستطع تقليد تجربة أشهر مدونة مصرية وعربية " الوعي العربي" والتي كان لها دوراً كبيراً وما زال في نقل صورة الواقع إلى العالم الافتراضي، واعتبرت المصدر الأهم لجميع وسائل الإعلام المصرية والمعارضة والدولية، يكفينا أن يكون صاحبها " وائل عباس" أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في العالم حسب استطلاع أجرته صحيفة غربية، وتعزز هذا التأثير مجدداً خلال الثورة المصرية عندما نشر بشكل حصري تحقيقات مهمة وشهادات، مدعومة بتسجيلات فيديو وصور، عما جرى من مذابح في بعض السجون المصرية في الأيام الأولى للثورة، فضلاً عن أحداث مصادمات الإسكندرية، وتفاصيل قتل اللواء البطران، ووثائق بنكية تثبت فساد قيادات النظام السابق، أين نحن من ذلك هل نزلنا للشارع ووثقنا وممارسات الأجهزة الأمنية في الضفة وغزة، فضلاً عن جرائم الاحتلال في الضفة ودعمناها بتحقيقات وشهادات ونشرناها من خلال مدونات وغرف خاصة، لماذا انطلقنا للعالم الافتراضي دون خبرة أو برامج توعوية للاستفادة من هذا العالم ؟ لماذا عززنا التقليد على حساب الإبداع، يكفي أن نذهب لمدونة الوعي المصري ولفقرتها الأولى لنجد صورة الإبداع في التأثير على العالم من جملة صغيرة نقشها وائل عباس في افتتاحية المدونة " هذه المدونة على مزاج صاحبها اللي مش بيشتغل عند حد"، كان يمكننا الاستفادة من هكذا إبداع في إدخالها في ثقافة الاحتجاج في داخلنا الفلسطيني، لأننا ندرك أننا شعب ملئ بالإبداع ولديه الكثير ليعطيه، إلا أننا حتى الآن لم ننجح في استثمار هذه الروح الإبداعية، سواء كانت بطريقة سياسية ساخرة أو كوميدية.
مقارنة مختصرة بين مجموعاتنا الافتراضية والمجموعات الافتراضية المصرية:
لو انتقلنا لمدونة مصرية شهيرة أخرى اسمها " منال وعلاء" لوجدنا أنها تضمنت تغطية يومية ومستمرة للأحداث، باللغتين العربية والانجليزية، لدرجة أنها تجاوزت الأحداث المصرية، وانتقلت للأحداث ذات الطابع القومي، مثلاً قضية الحصار على قطاع غزة ومعبر رفح، واستهجنت موقف النظام المصري من هذا الحصار، وتساءلت باللهجة المصرية " ليه حكومتنا بتلتزم بكل الاتفاءات مع كل الدول اللي عندها حدود معها وتضمن دخولهم بحرية، إلا في فلسطين، ليه في جدل شديد حول فتح معبر رفح، وليه الفتح يقتصر على ادخال معونات ولا استقبال مرضى "، هذه عبرة مكتسبة أوجهها لشبابنا الفلسطيني الذين لم يبادروا حتى هذه اللحظة وباللغات بإنشاء مدونة أو موقع عن مشكلة الحصار ومعبر رفح، وانشغلوا للأسف في اتهام بعضهما البعض في مسئوليته عن هذا الحصار.
وننتقل إلى غرفة " كلنا خالد سعيد " المشهورة على الفيس بوك، والتي اقتربت عضويتها من المليون، والتي أخذت اسمها من شاب مصري اسمه خالد سعيد قتل على أيدي أجهزة مبارك، نتيجة التعذيب، فقد افتتحت الغرفة بسؤال مهم جداً وباللهجة المصرية " احنا مين وعايزين إيه؟" ، وهذا ما لم نستطيع في مجموعاتنا الفلسطينية أن نوحده، فقد تضمنت هذه الغرفة كلمات بسيطة مختصرة " الصفحة دي لكل المصريين، بغض النظر عن دينهم أو جنسهم أو تعليمهم أو مستواهم الاجتماعي أو انتماءهم السياسي، اتجمعوا عشان عايزين بلدهم احسن وعشان خالد سعيد يرجع كرمز، وتهدف الصفحة للتعريف بقضايا وهموم المصريين خاصة اللي له علاقة بقضايا وحقوق شعبنا وهموم المصريين، واي انتهاكات لهذه الحقوق التي كفلها الدستور المصري ودي مش حيحصل إلا لما نتحد كلنا ونكون ايد واحدة وسنقيم لنا أكبر عدد من المصريين على الانترنت وخارجها من خلال النشاط اللي كنا نشارك به، الصفحة تفضح أي محاولة لتهديد أو ابتزاز أي مصري علشان يتنازل عن حقه والنزاع بين الأحزاب غير متاح"، أما مجموعاتنا الفلسطينية فلم تتحد على موقف واحد.
ونعرج إلى صفحة مشهورة أخرى لعبت دوراً كبيراً في الثورة المصرية الأخيرة، وكان لشبابها تأثيراً كبيراً فيها وهي " شباب 6 أبريل"، والتي افتتحت صفحتها بعبارة بسيطة كبيرة في معناها ومضمونها ( شباب بيحب مصر)، ( شباب اتفقوا واجتمعوا على حب الوطن والتضحية من أجله والرغبة في إصلاح الوطن).
ولهؤلاء الشباب الفضل في الدعوة لإضراب وعصيان مدني شامل في 6 أبريل / 2008 كان شعاره" إضراباً شاملاً بكل الوسائل والطرق" وليس في الفيس بوك وحده، بمشاركة بعض الأحزاب السياسية، والتي كانت باكورة الاحتجاجات التي نظمت في شوارع القاهرة. ورغم سخونة الوضع وتعرضهم للاعتقال والملاحقة اليومية إلا أنهم لم يغيبوا عن الشارع واستمروا عبر مشاركاتهم في هذه الخطوات الاحتجاجية، ووثقوا كل الممارسات خلالها ونشروها لتصل للعالم كله، وكما أنه بالتوازي مع هذه الاحتجاجات كان هناك احتجاجات فرعية وجزئية من إضراب عمال المحلة والسكك الحديدية..إلخ، ( مع أهمية ملاحظة أن العدد والمشاركة في هذه الاحتجاجات منذ بدايتها وحتى الثورة الشعبية شارك بها 85 مليون مصري، وأن سحب هذه الأعداد على مواقع فلسطينية أو تونسية سيكون ظلماً لهم).
في مقابل نجاح الشباب المصري في الانتقال بخطى ثابتة من خلال التأثير عبر هذه المجموعات التي تحدثت عنها آنفاً، نجد من خلال متابعتنا لمشاركات شبابنا الفلسطيني عبر مجموعات معينة مثل " شباب خمسة حزيران"، و" 15 و21 آذار" ثغرة كبيرة وقع بها القائمين عليها، بالرغم من بعض المحاولات الفردية لتوحيد المواقف والوصول لفكرة واضحة وهدف منشود، إلا أنها لم تلق قبول الغالبية العظمى من مرتادي هذه المجموعات، ففضلاً عن تبعثر الأفكار وتشتتها، وخروجها عن طابعها الوحدودي والشعاري وهو إنهاء الانقسام وهو الشعار الذي توحدت به جميع المجموعات " رغم اعتراضي على هذا الشعار، لأن الانقسام ليس هو نهاية المشكلة ولا الحل السحري"، إلا أننا نجد في التعليقات خروجاً عن هذا الهدف، وتحول المشاركات إلى بنك معلومات خارجي، ونقاشات جانبية تأخذ منحى عصبي وحاد وفئوي، فكيف يمكن أن نمتلك وعياً فيما نريده وتعليقاتنا تتضمن مدحاً وتقديراً واحتراماً للأجهزة الأمنية في رام الله وغزة مثلاَ، أو في رفع صورة هذا القائد السلطوي العلاني وكأنه المهدي المنتظر وصاحب الابتسامة الوحدوية، القادرة على لم الشمل الفلسطيني !!!، أثار إعجابي فعلاً طرح بعض المشاركات لمطالب يمكن أن تتخذ طابع عملي على الأرض ويتوحد خلفها الجميع، وهي مطالبتهم ودعواتهم لإطلاق سراح نشطاء الانترنت والمعتقلين السياسيين في الضفة والقطاع، خطوة جيدة، كنت آمل أن تأخذ حيزاً كبيراً من المطالب، ولكن ليست على حساب مطالبنا الإستراتيجية.
ما العمل.. ؟ وكيف ننجح ونوحد هذه الجهود في ثورة افتراضية حقيقية؟
هذه الخطوات والجهود المبذولة خطوة جيدة إلى الأمام، ولكن يجب اغلاق جميع الثغرات التي تحدثت عنها سابقا، مع ضرورة تحديد الاستراتيجيات، وآليات العمل على الأرض، وضرورة إدراك جميع شبابنا أن التغيير الحقيقي لن يتحقق لا بالدعوات والمطالبات بل بالعمل الحقيقي وتقديم حلول حقيقية ومدروسة من أجل إيجاد بديل حقيقي يعيد تشكيل المؤسسة الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني، وينهي الانقسام، ونتفرغ من خلالها لمواجهة الاحتلال.
استراتيجيات وبنود أساسية يجب أن يتوحد الجميع خلفها ؟
التوضيح للجميع أن أي أهداف فرعية يسلط الضوء عليها، يجب ألا تغيب أهدافنا الوطنية الثابتة، وأن تتصدر جميع صفحاتنا الافتراضية، ودعواتنا ومطالبنا، لأن الاحتلال سبب البلاء، وأن العبث في المؤسسة الوطنية الفلسطينية، يجب أن يتوقف.
مقترحات لمطالب رئيسية يجب أن يتمسك فيها الشباب ضمن أهداف عامة يجب أن تتحقق بشكل فوري وهي ذات طابع تراتبي ثابت لا يمكن القفز على احداها وقبول أو رفض احداها:
1) إعلان القيادة الفلسطينية بشكل فوري وعاجل ولا نقاش فيه انتهاء مشروع التسوية، وإسقاط أوسلو نهائياً من المشهد الفلسطيني ( بناءً على نتائجها الوخيمة على شعبنا الفلسطيني) وبالتالي حل السلطة، وتتولى منظمة التحرير الفلسطينية بعد إعادة تشكيلها وبناءها المسئولية المباشرة في إدارة الحياة اليومية الفلسطينية في الداخل والخارج، عبر تفعيل الإدارة المحلية ( بلديات، لجان شعبية)، وتستعيد السيطرة على الصندوق القومي الفلسطيني، وتتولى إدارة الصراع مع الاحتلال، بشكل يحقق أهدافنا الوطنية حسب وثيقة الاستقلال والعودة لبنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي تم الغاءها من قبل القيادة الفلسطينية المتنفذة.
2) إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني برمته، حسب وثائق الإجماع الوطني الفلسطيني، مثل وثيقة الوفاق الوطني، وإعلان القاهرة، وضرورة تنفيذ بنوده في إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية برؤية منهجية سليمة، قائمة على التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية، وتشكيل لجنة من كافة القوى والفصائل الفلسطينية المنضوية تحت منظمة التحرير الفلسطينية بالإضافة لحركتي فتح وحماس، تتفق على تشكيل حكومة وطنية مؤقتة تتولاها شخصيات مستقلة مهمتها التمهيد لانتخابات شاملة (مجلس وطني، م.ت.ف، رئاسية، وتشريعية)، وتعطي للشعب بعد ذلك حرية اختياراته وتوجهاته المستقبلية.
3) التناقض الوحيد مع الاحتلال وحده، وأن فشل مشروع التسوية، يؤدي إلى التمسك بخياراتنا النضالية كاملة، بدءاً من الكفاح المسلحة، حتى المقاومة الشعبية، وهذا يتطلب توحيد الرؤية النضالية وتشكيل غرفة عمليات مشتركة.
4) استيعاب الشباب الفلسطيني في المشهد السياسي الفلسطيني، وأن يكون له دوراً في بناء مؤسسات الوطن، والتعبير عن رأيه في مختلف القضايا.
5) تفعيل صندوق خاص للعمال والفقراء والطلاب.
ولمن اتخذ " إنهاء الانقسام الفلسطيني" شعاراً كخطوة أولى له يجب عليه ان يطالب بالخطوات الثابتة والواضحة والتي تتضمن:
1) حل حكومتي حركة فتح وحماس بشكل فوري، بعد الاتفاق على تنفيذ تفاهمات اعلان القاهرة.
2) الاتفاق على آلية للصلح العائلي والعشائري ولكل المتضررين من الانقسام الفلسطيني، حتى لا تحدث عمليات ثأر عائلية وانتقامية لا تحمد عقباها.
3) مرجعية الأجهزة الأمنية يجب أن تكون خارجة عن إرادة الفصائل الفلسطينية، وتوجهاتها وطنية.
4) مغادرة كل من ثبت دوره في الانقسام الفلسطيني المشهد السياسي الفلسطيني.
5) إطلاق العنان للحريات الديمقراطية، وحرية الصحافة والاعلام، بعيداً عن الحزبية.
أساليب النضال المتاحة للشباب وللجماهير الفلسطينية لتنفيذ المطالب السابقة:
على جماهير شعبنا الفلسطيني أن يأخذ زمام المبادرة، معتمداً طرقاً وأساليباً مختلفة، تبدأ بكسر حاجز الخوف وبالاحتجاجات الجماهيرية، وممارسة الضغط ، والاضرابات الرمزية في مختلف المجالات، وانتهاءً بالعصيان المدني، وهو أحد الأساليب الرئيسية للمقاومة السلمية والذي كفلته القوانين الدولية، ومن هذه الوسائل:
فلسفة العالم الافتراضي، ( رسالة موجهة إلى جماعات الشباب الفلسطيني المنتشرة):
لكي تنجح رسالتنا، وتتعزز ثقافتنا ووحدتنا وثوابتنا خلال جهودنا ومشاركاتنا في مختلف الغرف التي تم انشاءها عبر العالم الافتراضي، من الضروري الإجابة عن أسئلة محددة، نعتمد عليها في تشكيل هذا الواقع؟ يساعدنا في تحديد أهدافنا، وهذه الأسئلة: ما هي الاستراتيجية( ما ذكرتها سابقاً مثلاً)، والأهداف الحقيقية والموضوعية، وما هو التغيير، وما هي فلسفة الغرفة الافتراضية وآلياتها وقوانينها، وأفكار المجموعة وأساس تحركها، والأهم من ذلك آليات عملها على الأرض من خلال إيصال فكرة معينة، وتحشد وتدعو الجميع للمشاركة فيها، والتي يمكن أن تتراكم فجأة وتؤدي في النهاية لبلورة الهدف المرجو منها، فالهدف هو أساس عمل أي مجموعة من هذه المجموعات، وهو المنطق بفلسفة عملها وطريقتها في التغيير والاستجابة لمطالبها، وخلق آليات وبدائل عمل للتعامل في حالات الطوارئ ( كاعتقال شباب من أعضائهم سواء على خلفية مشاركته في الأحداث على الأرض، أو من خلال نشاطه في العالم الافتراضي)، ومن ثم الاستفادة من هذه النشاطات، في القيام بضغط إعلامي واسع، يتم فيه توثيق ما تم جمعه من خلال هؤلاء الشباب على الغرف المنوعة ويكون لها دوراً وقدرة على التأثير.
ولإدارة سليمة لهذه الغرف يجب أن يتحدد خطوط عامة من بينها التزام العضو بقرارات الأغلبية، وألا تخرج مشاركاتهم عن الهدف الأساسي من تشكيل الغرفة، والابتعاد عن الاستقطاب الحزبي، والتخطيط الاستراتيجي الذي يتيح متابعة متعمقة لكل خطوة، من تقييم وتحليل لنقاط الضعف، ولا يمكن نسيان الشعارات الثابتة والجمل التي تثبت الوعي الفلسطيني، وسرد القصص والوثائق التي توثق كل شئ، كأن نستخلص ابداعات شعبنا ونستخدمها في صياغات مطالبنا، على سبيل المثال: " يمكن أن يتضمن تعريف الغرفة الأساسي بعد توحيد جهود الشباب جميعاً في غرفة واحدة، كلمات كتبها ناجي العلي عن حنضلة " نحن شباب توحدنا جميعاً كحنضلة، وسنكون دائمين الحركة وفاعلين ولنا دور حقيقي يناقش باللغة العربية والانجليزية، بل أكثر من ذلك فإننا كحنضلة سنوصل فكرتنا وأهدافنا ومطالبنا بالغناء والزجل وبالاحتجاج، وسنصرخ في كل أذن ونهمس ونبشر بالثورة"ـ، ويمكن أن نبدأ مطالبنا بعبارة أخرى نستخلصها من مقولة مشهورة لناجي العلي أيضاً " كانت هناك أشياء كثيرة تدعو لليأس، في تلك اللحظة كان هناك لون رمادي يحيط بالأفق لكننا كشباب شعرنا بتحفز داخلي غريب، إن حواسنا تصبح أكثر وضوحاً، أن نشير إلى نافذة مفتوحة في الأفق يبدد منها خيط من النور وأن نعري أولئك الذين لا يكفون عن الضجيج بأن الظلمة تشمل كل شئ وأن التسول هو لغة استرجاع الحق".
وأيضاً هناك عبارات لغسان كنفاني كثيرة كـ " لك شئ في هذا العالم فقم"، كما أننا لا يمكن أن ننسى أن أحد أسباب إلهاب حماس الجماهير المصرية والتونسية في الساحات العامة، استخدامهم لأغاني ملتزمة كالشيخ إمام، وسميح شقير ومرسيل، يمكن الاعتماد عليها، كما ويمكننا أن ننشئ عنواناً واضحاً وموحداً لتبادل الأفكار والابتداعات، كالدعوة مثلاً ليوم تضامني مع الأسرى بإقامة خيمة في ساحة عامة مثلاً.
خطوات فلسطينية جادة تستحق المتابعة والمشاركة:
ما تلمستّه هو أنني فعلاً وجدت مبادرات فلسطينية حقيقية ونافذة البصيرة والرؤية والأهداف وتعبر عن ثوابتنا وأهدافنا الوطنية، على سبيل المثال حملة أسسها نشطاء ومناضلين فلسطينيين من الداخل والشتات والجاليات الفلسطينية، باسم " حملة التمثيل الوطني الفلسطيني، انتقدت التهميش داخل منظمة التحرير الفلسطينية، والسيطرة عليها من قبل قيادة متنفذة، والفساد فيها وتعطيل مؤسساتها، وبسلوكها الاقصائي ونهجها السياسي، وأكدت على هدفها الرئيسي والعام، أنه لا تمثيل وطني فلسطيني إلا بمجلس وطني منتخب من قبل شعبنا الفلسطيني في الشتات والأراضي المحتلة عام 1948، و1967 وفي مختلف دول العالم، على الأسس ومواد الميثاق الوطني القديمة التي أجمع عليها الإجماع، وتم حذفها من قبل القيادة المتنفذة في منظمة التحرير، بالإضافة إلى اعتبارهم عنوانهم الوحيد التمسك بالثوابت غير القابلة للتصرف وأنه الضامن الحقيقي لوحدة وطنية تنهي حالة الانقسام، وبالتالي ضمانة مواصلة طريق تحرير فلسطين من براثن الاحتلال.
اللافت في هذه الحملة أنها لاقت صداً واسعاً واتبعت أسلوباً عملياً بتجاوب مختلف الشخصيات الوطنية، معها خاصة الجاليات الفلسطينية في مناطق الشتات، والتي ستنظم في الأيام القادمة اعتصامات أمام ممثليات وسفارات م.ت.ف حول العالم مثل نيويورك وواشنطن، مطالبة بانتخاب مجلس وطني فلسطيني على أسس وطنية، فضلاَ عن أنها ستشارك في جميع فعاليات وأنشطة للتنديد بالاحتلال.
خلاصة:
ما استعرضته سابقا، يدخل في باب ( رصد الظاهرة الاجتماعية مبكرا جدا ً) وهي محاولة مني لطرح أسئلة وتقديم ملاحظات في باب النقد الهادف، نستطيع من خلالها الاستفادة من تجارب سابقة، وتوحيد رؤيتنا وأفكارنا وأهدافنا وثوابتنا، نستعيد من خلالها شعار" كامل التراب الوطني" مثلاً والتوضيح للجميع بفكرة غابت أو تم نسيانها تحت شعارات فضفاضة وهي مقاومة الاحتلال وأنه المسئول أولاً وأخيراً عما يحصل لنا، وعلينا أن نسقط الخرافة من عقولنا، ونستحدث العقل والوعي، وروح الفكرة في مختلف التطورات والأحداث، فلا نريد بعد اليوم أن يستحقر أحد عقولنا أو أن يضحك علينا باسم حكومة شرعية، هنا وهناك، أو ينظم تظاهرات شكلية تندد بالفيتو الأمريكي، وتتبنى مبدأ إنهاء الانقسام كوسيلة لإنقاذ نفسها من مأزقها، فالشرعية للشعب، وعماد هذا الشعب هم الشباب، الذين بحاجة لأخذ دورهم ويتلمس أحد معاناتهم كجزء أصيل من شعبنا الفلسطيني، وذلك من أجل توحيد كل الجهود في مواجهة الاحتلال، حتى نيل حقوقنا المشروعة في الحرية والاستقلال والعودة والدولة، فالهدف هو نقل ثورتنا وتجربتنا النضالية على مساحة الوطن وفي مخيمات اللجوء، وليس سحبها عبر افتراضات لا تعتبر إلا وسائل فقط.

الجمعة، 19 نوفمبر 2010

يسقط فاشست السلطة ...

أيمن أنور

تزايدت وتيرة ممارسات أجهزة أمن السلطة الفلسطينية بالضفة المحتلة ضد حرية الرأي والتعبير،حتى وصلت حداً غير معقولاً وتطاولاً على كرامات المواطنين، يعبر عن دكتاتورية فاشستية لا تختلف شكلاً ومضموناً ومنهجاً عن الاحتلال الإسرائيلي.

الفاشستية بأروع صورها هي المصطلح المناسب لأولئك - أشباه الرجال- الذين ينفذون جهاراً نهاراً تعليمات أسيادهم في البيت الأبيض في قهر وترويع المواطنين وتخويفهم، واعتقال رجال المقاومة بمختلف توجهاتهم السياسية وتعذيبهم، وتشويه شكل الحرية وممارسة الديكتاتورية باسم الديمقراطية الزائفة التي يتغنون بها.. ديمقراطية امتدادها أنظمة استبدادية فاشية على امتداد خريطة العالم العربي.

للأسف، باتت قضيتنا الوطنية الفلسطينية، أسيرة هؤلاء المارقين، الوكلاء عن الاحتلال الإسرائيلي في مص دماء الشعب الفلسطيني قطرة قطرة.

أقدمت هذه الأجهزة الفاشستية وتحديداً جهاز المخابرات الفلسطيني على ارتكاب جريمة جديدة تضاف إلى سجل اعتداءاتها على حرية الرأي والتعبير، حيث اعتقلت الإعلامي جورج قنواتي مدير إذاعة بيت لحم 2000، لأسباب زعمت فيها أنه بث خبراً عارٍ عن الصحة ولا يستند لأي أساس حول الرئيس الفلسطيني عباس !!.


الغريب في الموضوع أن جهاز المخابرات الذي لا يملك حق التدخل في الشأن الداخلي هو من اعتقل الإعلامي قنواتي ودون أي مصوغات قانونية، ودون أمر اعتقال رسمي.

إذن جهاز المخابرات الفلسطيني اللامع – صاحب الإنجازات الكبيرة ( القاذورات والرذالة والابتزاز والتعاون الأمني مع المخابرات الأمريكية والإسرائيلية) يتخطى دوره المطلوب المناط به، وهو حفظ أمن الوطن الخارجي والتهديدات التي تحيط به وكشف المخططات الصهيونية التي تحاك ضد شعبنا، ويقوم باعتقال إعلامي تخطى حدوده في نشر خبر صحفي لا يستند إلى أساس على حد زعمهم.

هذا الجهاز المارق ترك حماية الأمن الخارجي للسلطة، ولم يهتم بتنظيف داخله من الفاسدين والمرتشين وقطاعي الطرق والمجرمين وحتى العملاء، وتفرغ لاعتقال صحفي نقل الخبر كما هو من مصدر موثوق وهو بالمناسبة قيادي كبير من حركة فتح لديه مشاغبة جديدة مع رئيس السلطة عباس.

ما يلاحظ أن اعتقال الإعلامي قنواتي، والاعتداءات المستمرة التي تطال اعلاميين وصحفيين أصبحت في الآونة الأخيرة وقوداً لصراعات داخلية بين قيادات بارزة في السلطة الفلسطينية، يدفع ثمنها المواطن الفلسطيني العادي خاصة الصحافيين والإعلاميين.

الأجدر بقيادات السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية أن تنأى بخلافاتها الداخلية، وصراع الزعامات فيها جانباً عن الشعب الفلسطيني، وألا تتصرف كعصابة أو جماعة خارجة عن القانون، وأن تخضع نفسها للرقابة والمحاسبة الدائمة، سواء على ممارساتها داخل السلطة، أو اعتداءاتها على الحريات الديمقراطية.

ما يزيد الأمر استغراباً، هو صمت ما تسمى نقابة الصحافيين - ربيبة جهاز المخابرات نفسه- (التي تشكلت في الانتخابات الأخيرة بأمر من الطيراوي)، فضلاً عن مؤسسات اعلامية حول جريمة اعتقال الإعلامي قنواتي، في حين أحجمت وكالات أنباء تصف نفسها بالحيادية والاستقلالية عن نشر الخبر والتعاطي معه واستنكاره والتنديد به، بشكل يثبت تآمرها الدائم وانحيازها الواضح لسلطة أوسلو.

هنا يبرز دور الحالة الجماهيرية الشعبية في رفض ومجابهة هذه الممارسات لأجهزة أمن السلطة، والتضامن مع ضحايا الاعتقال السياسي والتعذيب والممارسات السلطوية المستمرة، فالصمت الدائم يزيد همجية هذه الأجهزة على ارتكاب المزيد من هذه الجرائم. كما أن للفصائل الفلسطينية وللمثقفين والإعلاميين والصحافيين الشرفاء دور هام في تعزيز تلك الحالة الشعبية الرافضة لتلك السياسات، وفي فضح ومجابهة ممارسات أجهزة أمن السلطة، والعمل على وقف انحرافاتها المستمرة عن البوصلة الوطنية.

أما بالنسبة للسلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، أدعوهم لانتظار سقوطهم وانهيارهم المتوقع، فعندما تنهار القيم والأخلاق والوطنية، تفقد هذه السلطة دورها.. هي مسألة وقت لا أكثر...

السبت، 13 نوفمبر 2010

الجبهة الشعبية وهي تنهض من تحت الرّماد..

بقلم خليل المقدسي

هذه هي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كما هي، دون رتوش أو إدعاء أو تجميل أو تقبيح ، ها هي اليوم، كما ولدت في أول مرة، تحت الشمس وفي القيظ ، قبل 43 عاماً، وهي تشد الحيل لمسيرة طويلة، و 43 عاماً من المقاومة والنضال والرحيل والشهداء والسجون والثورة والتجربة والصمود والأمل والذكريات والصح والخطأ والذاكرة الوطنية التي لا تموت.

43 عاماً، ولما تزل تقول: لا للاحتلال، لا للاستعمار، لا للمرحلة، ولا لتخريب، لا لتبديد انجازات الشعب والمشروع الوطني الفلسطيني، تشد أنظارنا وخيالنا وبنادقنا إلى ما هوحقيقي وجوهري وممكن التحقق بالنضال والعمل، وتدعو شعبها وقواه الشعبية المقاومة أن تظل كل البنادق مشرعة ضد عدو الأمة العربية: الاحتلال الصهيوني وحلفاؤه.

في ذاكرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لن تجد يوماً دون حصار وتحدي ودموع . منذ ولدت من عتمة النكسة إلى فضاء الثورة ، وجاءت رداً على هزيمة النظام العربي الرسمي، لذلك هي لم تنتهي في عمان، وستولد مرة أخرى في بيروت، في قلب الحصار، وهي الآن ، الآن ، تقف على أرضية فكرية وسياسية عقائدية صلبة، ولا تهرب من مسؤوليتها، ولا تخاف من أحد، ولا تدعي الحقيقة المطلقة، ولا تنكر وجعها وعثراتها ، ولكنها تنهض الآن ، برغم الجرح، تنهض، من وجع الحقيقة ومن الخارطة ومن البوصلة والزنزانة ومن وظيفة السلاح الشريف.

هي تنهض من ذاتها ، من خلاياها ، من سواعد وارادة رفاقها ، وتظل تشرب من نبعها الصافي وتثق به، وإن شح الماء والسلاح في هذا الحصار الطويل يا رفاق . لكنه ماء الجبهة الشعبية، بدل هذه المستقنعات التي تملاها الضفادع وتغزوها السموم واحلام الظهور على شاشة التلفاز . ان وفرة الماء لا يعني وفرة في الصدق والموقف المبدئي الحقيقي.

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تنهض من جمرة الإمساك على الثوابت الوطنية الفلسطينية، وتنهض من تحت الرماد. تنهض من وعيها لدورها ووظيفتها وضرورتها الوطنية والتاريخية الوحيدة: تحرير فلسطين وتحرير الإنسان وتحرير العقل وتحرير المرأة . ومن وعيها لدورها الاجتماعي والانساني التقدمي في خدمة الطبقات الشعبية المقهورة في مخيمات البؤس وتحت الاحتلال. ومن تمسكها بعمقها العربي القومي ، وانتماؤها الطبيعي إلى حركة التغيير الثوري الديموقراطي في العالم.

من صمود وإرادة قائدها في زنازين العزل ، تنهض الجبهة الشعبية ومن سواعد كوادرها وصمود الأسرى والأسيرات في السجون ، من مقولات الحكيم ومن إرادة ابو علي مصطفى وروح جيفارا غزة وأدب غسان كنفاني وإصرار احمد سعدات وزهد أبو ماهر اليماني وإرادة كتائبها المسلحة ، هؤلاء ليسوا " مجرد تاريخ " ومضى ، بل روح يومية ، تتجدد وتعلو وتبث حياة جديدة في قلب الجبهة الشعبية ، ذلك لأنها جبهة وجدت لكي تنتصر وهي لن تهدأ قبل ان ترى شعبها يشد الرحال في طريق العودة والتحرير والنصر...

( انتهى)

الجمعة، 12 نوفمبر 2010

فتح كمحاربي الرونين بلا سيد


أيمن أنور

يشبه حال أعضاء حركة فتح هذه الأيام، كمحاربي الرونين القدماء الذين أصبحوا بلا سيد بعد أن غُدر به، وبدون هدف يقاتلوا من أجله.. ولحق بهم العار بسبب عجزهم عن الانتقام لسيدهم، وموت الرغبة لديهم في النضال، وغياب الفكرة والمعتقد الثوري عندهم..

أمس الخميس قدّمت فرقة العاشقين في قصر رام الله الثقافي حفلاً فنياً هو الأول من نوعه على أرض فلسطينية، إحياءً للذكرى السادسة لرحيل الرئيس المغدور ياسر عرفات، بحضور رئيس حركة فتح محمود عباس، وعدد كبير من قياديي وأعضاء وأنصار الحركة وقيادات مدنية وعسكرية.

من حق الحركة أن تحيي ذكرى رئيسها الراحل على طريقتها الخاصة، وأن تستقدم فرقة العاشقين وتقطع لهم تأشيرات دخول لعاصمة السلطة " رام الله"، حتى تصدح بأشهر أغانيها وتسرد خلالها مسيرة الثورة والقضية الفلسطينية في حقبة غلب عليها طابع الكفاح المسلح التي تبنته فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى رأسها حركة فتح، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل المشهد الفلسطيني الحالي والمختلف شكلاً ومنهجاً ومضموناً، فرام الله الآن الأسيرة باتفاقيات التسوية، والحبيسة بالتزامات خارطة الطريق ليست بيروت ولا عدن ولا بغداد لكي تقدم فرقة العاشقين أشهر أغانيها التي تحتفي بشهداء الاحتلال البريطاني محمد جمجوم، وعطا الزير، وفؤاد حجازي.. أو بالمقاتل الثوري الفلسطيني الذي حارب ببيروت وفجر دبابات العدو بقاذفات الأربي جي في شوارعها، جاءت فرقة العاشقين من بيئة مليئة بغبار المعارك والخنادق وصوت بنادق الكلاشينكوف.. إلى بيئة مليئة بضباب سلطة حكم ذاتي حرّمت المقاومة واعتقلت ناشطيها وحتى قتلتهم التزاماً بالاتفاقيات المقرة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

الغريب في احتفال الأمس أن الفرقة بدت كأشباح حقيقية تغني في زمن مغاير، ولجمهور آخر.. وأشخاص مختلفين طووا صفحة الكفاح المسلح بل والثورة الفلسطينية كلها وتسللوا تباعاً إلى دهاليز مفاوضات استحقت أن تكون خيبة كبيرة وفشل ذريع تطبّعت على وجوه من كانوا في الصف الأول بالقاعة.. لأولئك الذين وصفوا المقاومة بالإرهاب والعمل الحقير.. إلى من اعتبروا الحياة مفاوضات.. ومروراً بمن باع وطنه وقومه في اتفاقية جنيف..إلخ.

تغير الزمن فعلاً، ورجال عيلبون وقعوا في الفخ، وأصبحوا فعلاً كمحاربي الرونين الذين فقدوا فجأة رئيسهم، وأصبحوا بدونه مطية بأيدي الاحتلال، وعجزوا حتى أن يكشفوا مؤامرة اغتياله والمتورطين فيه، وتغيرت مصطلحاتهم من دولة إلى دويلة كنتونات ومصالح مشتركة، من مقاومة شاملة، إلى مقاومة شعبية.. وبعد انقشاع دخان البنادق.. على أمتار قليلة من مرقد الرجل المغدور بجوار المقاطعة. علمنا أن عهد مقاتلي العاصفة انتهى.. وشجاعتهم قد ولت.

من هنا ومن باب النقد الجدي المملوء بمئات الأسئلة والأسئلة عن أسباب سقوط العقيدة القتالية والثورية لمقاتلين كان يعتبروا أنفسهم باكورة العمل النضالي الفلسطيني وأول رصاصة... حتى أيام عرفات مزجوا العمل النضالي بمفاوضات التسوية، وشاركوا بجدية في فعاليات الانتفاضة وشنوا هجمات مسلحة على الاحتلال، إلا أن واقعهم الحالي دفن كل العقيدة التي ورثوها .. وفقدوا تماماً تعاليم الواجب، والولاء، وحتى الإخلاص لقائدهم المؤسس الذي أصبح في طيات النسيان.

تحوّل المقاتل إلى قاطع طريق للمقاومة وأصبح حارس أمن للاحتلال، ولديه الجرأة لإلقاء محاضرات أمام ضباط وجنود إسرائيليين ملطخة أيديهم بدماء أطفال غزة ورفح... حتى تطور ليصل إلى درجة اعتقال صبية جبهاويين في مخيم الدهيشة ويحقق معهم عن عدد النشطاء في الجبهة وأمور تنظيمية لا أحد يتوقع أن يطالب بها إلا الاحتلال الإسرائيلي.

حركة فتح وأعضاءها على مفترق طرق، فإما أن يحرروا أنفسهم من حالة الموت السريري التي دخلوا فيها بإرادتهم جراء سقوطهم في وحل التسوية والتنسيق الأمني، أو أنصحهم بممارسة الـ (سيبوكو) وهو الانتحار الطقوسي الجماعي الذي أقدم عليه محاربي الرونين أخيراً..

(انتهى)

الجمعة، 29 أكتوبر 2010

الوحدة الوطنية الفلسطينية: نظرة من الداخل

خالد بركات
لن تجد فصيلاً فلسطينياً مقاوماً، أو حزباً سياسياً في فلسطين المحتلة، لا يدعو إلى ضرورة تحقيق " الوحدة الوطنية الفلسطينية" واعتبارها شرطاً رئيسياً للصمود ومواجهة الاحتلال، إلى الدرجة التي صار يصعب التفريق والتمييز بين خطاب " البيان " الصادر عن حزب ماركسي لينيني أو بين حزب إسلامي أو قومي أو ليبرالي الهوية والشعار. كل القوى الوطنية والإسلامية تدعو للوحدة الوطنية، ويضاف إليها ما ينشأ في هذه الأيام من هيئات ولجان فلسطينية " مستقلة " وغير مستقلة ، بعضها يعرف عن نفسه باعتباره " خارج إطار التنافس والصراع الفصائلي " : على قاعدة فلسطينية تقول : ترى إحنا ما دخلنا!
ولا يرى الشعب الفلسطيني خارطة طريق وطنية تقوده إلى هذه الوحدة المنشودة. ذلك لأن مجموعة من العوامل والأسباب تفعل فعلها في الحالة الفلسطينية، وهي حقائق ( امبريقية ) لا يمكن إنكارها، أو التعامي عنها، أهمها، أن هذا " الانقسام الفلسطيني " بدأ مبكراً جداً، تحديداً في العام 1974، وهو ليس وليد الأمس، وللتذكير فقط، فقد شهدت مخيمات لبنان صراعاً داخلياً بين أبناء الحركة الواحدة، وصلت إلى استخدام الأسلحة الخفيفة والثقيلة، بما في ذلك دبابات تي 54 ومدافع الهاون وقذائف الار بي جي ، وقد حدث ذلك في زمن ( الفدائية) والثورة الفلسطينية، وقبل ولادة السلطة الفلسطينية العاجزة في العام 1994 .
كانت سلطة " فتح " موجودة ومهيمنة في المخيمات " الثورة" الفلسطينية، خاصة في لبنان، وكانت تمارس دور السلطة وما هو أبعد من ذلك، تقوم بالتحقيق وإصدار القوانين وشكلت أجهزة أمنيه منها ما يتصل " بجهاز الأمن الداخلي للثورة " و" جهاز الرصد " وغيرها، وكانت الحركة تصدر قرارات وأحكام تصل إلى حدود الإعدام وفق " لائحة القانون الثوري الفلسطيني " ومعظم هذه الممارسات كانت في إطار يستهدف عملاء العدو الصهيوني أو خصوماً سياسيين للحركة وياسر عرفات في لبنان.
ومنذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في العام 1965 على يد حركة فتح، ولاحقاً انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، دخلت الساحة الفلسطينية وفي أكثر من مرة إلى محطات وعرة وشهدت شكلاً من أشكال" الانقسام الفلسطيني" تمثل ذلك في تصادم مستمر وعلاقات متوترة مشحونة بين " النهج العرفاتي " و " النهج الثوري " وقامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بتأسيس ما عرف ب " جبهة الإنقاذ " و " جبهة الرفض " وغيرها من التكتلات الفصائلية في مواجهة قيادة التفرد والإقصاء التي رسختها فتح في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والتي كانت بدورها تضم تحت جناحها ( ولا تزال) قوى فلسطينية حليفة وتابعة.
إن الخلافات الفلسطينية الداخلية حقيقية وقديمة، تتغير فيها الأسماء والرموز والعناوين ، لكنها تبقى حتى بعد كل " مجلس وطني توحيدي " لأن جوهرها يظل فاعلاً تحت رماد المشهد الوطني والقومي والدولي. ولأن خلافات الفلسطينيين تعكس حدة التناقض ووتيرة الصراع السياسي بين فريقين متعارضين لم يلتقيا إلا لماما وفي زمن الثورة والانتفاضة فقط، أما في زمن السلطة الفلسطينية " فالعلاقات الوطنية " تتغير والمصالح كذلك.
وكان الدكتور الراحل جورج حبش يمازح المرحوم ياسر عرفات أيام بيروت بالقول: " الحمد لله لا يوجد عندك سجن يا أخ أبو عمار " وحين تحولت الثورة الفلسطينية إلى سلطة أمنية صار بوسع من ورثوا المنظمة أن يختطفوا أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ويسلموه للغزاة الأجانب في الظلام. لأنه في السلطة كل شي يخضع للمبدأ الصفقة..
الصراع الفلسطيني الداخلي هو صورة ( وإن لم تكن طبق الأصل ) للصراع الداخلي في لبنان والأردن والمنطقة العربية، وهو صراع بين معسكر التسوية حتى لو على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية، في مواجهة معسكر آخر بديل هو معسكر المقاومة الشعبية وقوى التغيير الديمقراطي . إن الأول يسعى لفرض هيمنته على الآخر، وإذا جرت تقاطعات وقواسم مشتركة أو إعادة صياغة للخارطة السياسية الداخلية أو إذا استوحش العدو، يضطر القوم للوحدة" ويسمى ذلك " وحدة وطنية " و" مصالحة داخلية " وخراريف من هذا النوع!
إن التناقض الفلسطيني الداخلي يقول حقيقة صارخة ننساها أحياناً، وهي أن الفلسطينيين في نهاية الأمر بشر ومخلوقات وطبقات وشرائح اجتماعية مثل سائر الجماعات البشرية وأن هناك قوى سياسية تتنافر وتتصارع. ولكلا المعسكرين، أصدقاء وحلفاء ونصف أصدقاء ونصف حلفاء، هذا يدلل على أن الخلاف الفلسطيني الداخلي أيضاً ليس كله " فلسطيني تماماً " وهو ينتمي لذاك النوع من الصراع الذي لا يمكن حسمه بالقوة المسلحة ولا بالعضلات والسجون وصناعة الفضائح والإشاعات، وهو باق ولو بوتائر ومستويات مختلفة، المهم أن يكون قوة إضافية لمشروع التحرير وليس عبئاً على الشعب والمقاومة كما هو الحال.
الصراع الفلسطيني الفلسطيني حين يخرج عن إطاره الطبيعي السلمي ( الحوار الوطني الديمقراطي ) يمكنه أن يتحول إلى غول يبلع الجميع. أولاً لأنه يعيق عملية المواجهة مع العدو الحقيقي، ويلجم القدرة الفلسطينية الشعبية على اتخاذ المبادرة والدفاع عن النفس. ويعطل قدرة الشعب في بناء مجتمع المقاومة ويقتطع من صمود الجماهير وثانيا، هو صراع يدفع ثمنه في العادة أبناء الطبقات الشعبية المطحونة في المخيمات وأحزمة البؤس. ولا يجلب كرامة أو يحقق النصر لاحد ، ولا يستشهد فيه احد ، وثالثا، يلقي هذا التناحر بشرائح واسعة من العمال والأطباء والمهندسين والفنانين والطلبة في دوائر الانعزال والإحباط واللافعل، ويشكل فرصة ذهبية للعدو ، ولكل طرف عربي يبحث عن حجة جاهزة للاستسلام والتسليم والتطبيع والاغتراب وتحميل الفلسطينيين عبئ القضية المركزية الأولى للعرب..
الصراع الفلسطيني الداخلي يوفر الذرائع لجامعة الدول العربية للهروب من مسؤوليتها بحجة واهية تقول "شوف صراع الإخوة الفلسطينيين اللي ما بيوقفش دة"! ولذلك، كلما سألوا وزير الخارجية المصري عن الموقف إزاء العدوان الصهيوني وممارسات إسرائيل في القدس المحتلة، يتنهد الوزير ولا يتحدث عن العدوان الإسرائيلي بل يهرب نحو "صراع الإخوةالفلسطينيين الذي نتابعه عن كثب ونسعى لحله!"!
إن هذا التنافس بين حركتي "فتح" و"حماس" على رضى "المجتمع الدولي" يشوه بدوره صورة النضال الوطني الفلسطيني، ويخربش وعي الإنسان العربي، ويقسم كل شيء، بما في ذلك حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني التي لم تسلم هي الأخرى من تداعيات " الانقسام الداخلي ". وعليه ، فإن التقدم إلى الأمام في مشروع الوحدة الوطنية سيكون ممكنا بخارطة الطريق الفلسطينية التي تصوغها إرادة جماعية وعقل نقدي ويقظ، وتحميه قوى شعبية وأهلية، بديلا عن طريق الاستسلام بالمفاوضات – الضربات – المباشرة والغير مباشرة !.
لا بد من إضعاف سطوة التناقض الداخلي الفلسطيني وكسر نبرته وتعزيز العلاقات الوطنية الفلسطينية في ميادين العمل والنضال ضد الاحتلال ، لكن في إطار يتجاوز " وحدة الفصائل " إلى وحدة الشعب والمجتمع ، والدفع أكثر نحو سلوك وقيمة التضامن الداخلي بدل الصراع المجاني والذي لا ينتصر فيه احد سوى العدو وحلفاؤه..

رداً على عزام الأحمد : أنت لست شجاعاً لكي تعتذر.

خليل المقدسي

مع أزلام السلطة الفلسطينية، وصلت حالتنا إلى ما هو أبعد من كارثي. إن أحدهم يتهم " الشعب " بأنه غير واعٍ ويحتاج لتطوير مداركه ووعيه حتى يفهم .

لماذا؟ لماذا يحتاج الشعب الفلسطيني إلى فعل ذلك؟ يقول لنا المسئول الفلسطيني عزام الأحمد رئيس كتلة فتح في المجلس اللاتشريعي، حتى يصير " الشعب " قادراً على النفاذ إلى حكمته ورؤيته الثاقبة. ويصل إلى مستوى الإدراك الحسي والعملي لفكره الجدلي المتماسك الرصين والقائم على البحث والعلم والدراسة والتمحيص والتدقيق ومعرفة العدو والصديق، فضلاً عن الكم الهائل للمعلومات التي يختزنها المسئول في عقله الكبير، وعليه، يا شباب، فإن خلاصة هذا " الفكر الأحمدي" عرضه الرجل في لقاء مع تلفزيون وطن وتلخص في التالي:

اتفاق صنعاء ، بين فتح وحماس، كان للاتفاق على الحوار بين فتح وحماس، ولم يفشل، واليسار الفلسطيني غير موجود!

الله اكبر . هذا فكر؟ الله يرحمك يا ادوارد سعيد وأنيس صايغ . تعالوا وناظروا فكر الثورة كيف يتلخص في عزام الأحمد!

طيب، إذا كنا حمير إلى هذه الدرجة ولا نفهم ما يريده المسئول الفلسطيني، فلماذا لم يصبر السيد الأحمد ويطول باله على صحفي يمارس مهنته وواجبه ويسأل ( باحترام زايد عن اللزوم وهذا أحياناً يشجع هؤلاء على التمادي) بل يستنفر المسئول الفتحاوي ويهجم على صحفي فلسطيني . يريد الأحمد أن يعلم الصحفي مهنته ويعطيه " درساً في الثقافة والحوار والأخلاق " وكيف يسأل، وماذا يسأل، لأن هذا السؤال غلط " ولأن هوية تلفزيون وطن معروفة، وظل يكرر هذه اللازمة المشروخة " سؤالك غلط؟

لو حدث هذا الأمر في كندا أو السويد فان هذا المسئول سيستقيل من موقعه الحزبي على الفور. وسيقدم حزبه اعتذاراً مكتوباُ للصحفي ولمعشر الصحفيين في اليوم التالي وعلناً.

لا يحترم المسئول الفلسطيني جهد صحافي فلسطيني جاء ليسمع رأي الأحمد ويوفر له فرصة لمخاطبة جمهور فلسطيني يشرح موقف حركة فتح ويرد على أسئلة الناس. وتعود قلة الاحترام لجهل حقيقي بدور الصحافة وموقعها أولاً، ولهذا العقم في الفكر والممارسة السياسية للمسئول الفلسطيني التقليدي ثانياً، وعلى السيد عزام الأحمد وغيره من المسئولين الفلسطينيين في السلطة أن يتعلموا شيئاً من أخلاق الشارع الفلسطيني وكيف يخاطبوا الصحفيين باحترام وتقدير، تماماً كما يفعلوا حين تسألهم مذيعة صهيونية أو فرنسية أو أمريكية أسئلة " أزفت " و " غلط " و " تثير الانقسام " ، ولكنهم يردوا بصوت منخفض وهم يتقمصوا دور المسئول /المثقف المحترم.

لم يرتكب الزميل الصحفي جرماً كي يشن الأحمد هجوماً على اليسار وعلى تلفزيون وطن " فلو كان هذا الصحفي إسرائيلي لما تعامل معه بهذه الطريقة الفجة. ويذهب لشن هجوم بلا مبرر على قوى اليسار الفلسطيني ويسأل الرجل بمنطق الفئوي الصغير: أين هو اليسار الفلسطيني؟ اثنين في المجلس التشريعي؟ هذا هو اليسار؟

ولو كان عزام الأحمد يسأل عن قوى اليسار ودورها من منظور الحريص على وجود يسار ثوري يكون جسراً للوحدة والنضال، أن اليسار " يوجد " في عين الأحمد إن كان ظهراً للسلطة الفلسطينية ومطية لحركته، ويلغى ويقصى أن خالف قيادة فلسطينية لاشرعية وطالب بالإصلاح والمكاشفة والمراجعة السياسية الشاملة ودعي للحوار واستعادة بوصلة النضال الوطني!

وبدل أن يذهب المسئول الأول لكتلة فتح نحو خطاب وحدوي وطني يطالب فيه الجميع بتحمل مسؤولياته خاصة تلك القوى التي تغتصب السلطة غصباً، في رام الله وفي غزة.

قد لا يكون اليسار ، وخاصة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، طرفاً فاعلاً في انجاز الوحدة الوطنية، ويجب أن يبذلوا جهداً أكبر في هذا الإطار، لكن ليست الجبهة من تقول كلاماً للسيد الأحمد وتقول أشياء أخرى في رام الله، وهو يعرف من الذي يقول كلاماً مختلفا كلما زار دمشق وعاد إلى رام الله.

على السيد الأحمد أن يحترم نفسه ويعتذر للصحفيين الفلسطينيين ولليسار الفلسطيني، والذي لو لم يكن موجوداً لما سأل عنه الأحمد ، موجود رغم كل شئ، حتى لو أصيب الأخ بالعمى واختار أن يعطل بصره وضميره في لقاء صحفي عابر. لكنه لن يعتذر، وسيدافع عن انقسامه ولغته الغارقة في العدم وفي الكلام الذي لا يعني أيما شئ ولا يضيف سطراً واحداً لسفر النضال الفلسطيني.

الأحد، 24 أكتوبر 2010

لماذا تعزل " فلسطين " عن هيئة الأمم المتحدة؟


خالد بركات
رغم أن ما يسمى " بالمجتمع الدولي " لم ينصف يوماً الفلسطينيين والعرب، إلا أن المرء لا يمكنه أن ينكر هذا الهلع الإسرائيلي والذي يعتري مواقف قادة الكيان العنصري، وهو لا يريد أن يرى القضية الوطنية الفلسطينية " تعود " إلى أروقة الأمم المتحدة ولذلك يسعى إلى " حل كل شئ وكل القضايا " في إطار المفاوضات المباشرة مع السلطة الفلسطينية ، وهو يعلم أن هذه الأخيرة تذهب إليه وهي راكعة سلفاً. ورغم ما تقدم ، من حق البعض أن يسأل ويقول : يا عم، إذا كانت هذه الهيئة الدولية لم تستطيع فرض قرارا واحدا على الكيان الصهيوني طوال 62 سنة من الصراع وحتى في " عز " الحرب الباردة ووجود الاتحاد السوفيتي وجمال عبد الناصر ، فماذا لو " عادت فلسطين " إلى الأمم المتحدة الآن؟ هل تفرق المسالة معنا؟
نحن مع الدعوة التي تقول أن القضية الوطنية الفلسطينية هي مسؤولية الشعوب والدول في المنطقة والعالم اجمع وليست مسؤولية الشعب الذي وقع عليه الضرر والاحتلال وحسب، فالكل متورط وغارق حتى اذنيه في هذا الصراع الدامي في المنطقة والذي يتجاوز حتى حدود "فلسطين " . لكن لأنها قضية عادلة وتستند إلى واقع وحقائق ومعطيات من الصعب إنكارها أو تشريع ( كل ) الاحتلال الصهيوني لفلسطين التاريخية. فان وجود فلسطين في الأمم المتحدة هو أمر غاية في الأهمية ولا يتعارض مع أي سلاح شريف يسعى للمقاومة والتحرير.
إن فلسطين ، في هيئة الأمم ، تشكل عبئاً على صانع القرار الأمريكي وهو يحشر نفسه وحيداً ومعزولاً إلى جانب العدو الصهيوني في الجمعية العامة والمؤسسات الدولية . ولا احد في واشنطن أو "تل ابيب" يريد تكرار هذا المشهد الذي تعب منه الأمريكيون إبان الانتفاضة الشعبية الكبرى في العام 1987 . ولا يريد العرب أن يجدوا أنفسهم مضطرون للوقوف على الجانب الآخر من الموقف الأمريكي والبريطاني.
إذ حتى عندما تمارس الولايات المتحدة الأمريكية أقصى درجات الضغط وإرهاب ممثلي الدول في الأمم المتحدة إذا اتصل الأمر بشأن فلسطين ( حتى لو كان غير ملزم ) فإنها لا تستطيع أن تحشد معها سوى ثلاث دول أخرى، أو بالأحرى ثلاث جزر محتلة ولم يسمع بها أحد : كوستوريكا، نيكروميزيا وثالثة لم أعد اذكر اسمها الآن! هذا يهز صورة الولايات المتحدة ، وهي تحمل لواء الحرية والاعتدال في العالم.
إذن ، لماذا لا تذهب القيادة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة؟ ومن الذي يعيق تفعيل الوجود الفلسطيني وقضية الشعب الفلسطيني في المؤسسة الدولية ؟ على الأقل لتقف شاهدة تذكر العالم بكارثة إنسانية كبرى حلت بشعبنا والأمة ، وأنهم زرعوا كياناً عنصرياً لنا ، صنعوه في الغرب الاستعماري لضمان سيطرتهم على ثرواتنا. خاصة وأنه لا يوجد قضية قومية حازت على شبه إجماع كالقضية الفلسطينية ، وعليه ، فإن هذا " المجتمع الدولي " مطلوب أن يتحمل مسؤولياته التاريخية والأخلاقية. فهو مدان ومتواطئ وليس محايد وبرئ..
إن الذي يتحمل المسؤولية في تغييب فلسطين عن الأمم المتحدة هم الفلسطينيون أولا ، والعرب ثانياً، والمسلمين ثالثاً، وهؤلاء لهم منظمة التحرير وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ويشكلوا ثلث عضوية الأمم المتحدة تقريباً، عداك عن دعم معظم الدول افريقية ودول أخرى فاعلة في أمريكا اللاتينية بل وصديقة للفلسطينيين والعرب . وبدل أن يشكل هذا الواقع مصدر قوة لقضية الشعب الفلسطيني يصبحوا مصدر " إغراء " لإسرائيل " حتى تتفتح شهيتها للسلام ، " لأننا سنكفل لكم التطبيع مع 57 دولة " هكذا يفاوض رئيس الفلسطينيين!
على الشعب الفلسطيني ألا يقبل هذه المفاضلة السخيفة بين أن تكون قضية فلسطين ملفاً أمنياً في أدراج المخابرات العربية يديره السيد عمر سليمان وتتحول أكبر قضية إنسانية وقومية معاصرة إلى عنوان فرعي يندرج في إطار الحرب على الإرهاب ويمكنه أن يكون دليلاً لنظرية " الأمن مقابل السلام " التي تفرض اليوم على الشعوب ، خارج ما عرف يوماً بحق الأمم في تقرير مصيرها.
أو، وهذا الخيار الآخر: أن تتحول إلى قضية فقراء " يصرف " علينا الغرب وتشغلنا وكالة الغوث ومؤسسات الاونروا.
إن الذي يقصي فلسطين من هيئة الأمم هو ممثل فلسطين فيها. تتذكر بعثة فلسطين أنها موجودة عندما تقع مجزرة أو عندما يطلب منها بأن تتواجد لإبطال مفعول قرار لصالح الشعب الفلسطيني. وإن الذي يمنع من تفعيل " الملف الفلسطيني " في الأمم المتحدة هو رضوخ العرب للقرار الأمريكي واستئناسهم بالمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كان مباشرة أم غيرها، المهم أن " يحلوا عنا الفلسطينية " !!
فلسطين سيحررها شعبها وأمتها العربية، بالسلاح وبالديمقراطية والفكر وبالثورة، وهناك خيارات كثيرة للصمود ولتحقيق انجازات على الأرض، حتى لو كان الإحباط هو سيد الموقف الراهن . مطلوب حماية ما تحقق من انجازات بفعل صمود ونضال الفلسطينيين وصبرهم ، وعلى القوى والأحزاب والشخصيات الوطنية والإسلامية أن تصحو من غفلة انقسامها وتشرذمها ، وان تثق بشعبها أولاً، لان القانون الدولي هو أداة بيد الفلسطينيين يساعدهم في عزل عدوهم ، لكن يجب ألا يلقى على كتفيه مهمة ومسؤولية تحرير فلسطين!

المواقف لا تقدر بحسابات


أبو كنعان

سأبدأ من حيث انتهى الكاتب والصحفي الفلسطيني " حمدي فراج" في مقالته التي جاءت بعنوان " عن الجبهة الشعبية وتعليق مخصصاتها"، عندما تساءل ؟ "لمن تذهب مخصصات الجبهة المعلقة، وهل ستحصل عليها بمجرد عودتها بأثر رجعي أم أنها توزع على بقية الفصائل؟".

تأملت بحيرة بالغة تساؤل الصحافي لعلي أتفهم منطقيته في عرض هذه المادة الصحافية ، وعندما فشلت تركت عالم الصحافة وبحثت عن المجال الذي تنتمي إليه، وأخيراً وجدتها مادة صحفية تلائم عالم الاقتصاد والمال، لأن الكاتب صراحة غادر التبريرات الصحفية المتوقعة أن تتضمنها مقالته، ولم يتعمق في الأسباب المباشرة التي جعلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تعلق مشاركتها في اجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولم يطرح أيضاً بأسلوب نقدي متوقع ممارسات القيادة الفلسطينية المتنفذة ضد المؤسسة الفلسطينية وقرارات الإجماع الوطني، ولم يعبر حتى عن رأيه ككاتب صحافي بطريقة سياسية متوقعة، وإنما عبّر عنها بطريقة البيزنس، فما قيمة تساءلاته المتكررة في المقالة عن حجم المخصصات الشهرية للجبهة، ولماذا يهتم اهتماماً بالغاً بقيمة المخصصات التي تتقاضاها باقي الفصائل؟ يبدو أن الصحافي العزيز لديه مستحقات ما على منظمة التحرير الفلسطينية أو جهة أخرى، وقد سال لعابه مما سربته وسائل الإعلان من خبرٍ غير أكيد عن قطع الرئيس مخصصات الجبهة الشعبية.

وبدا كاتبنا الصحافي من خلال استفساراته العديدة والغريبة وكأنه ورث مالاً أصبح بلا صاحب، وأراد أن يُلمح للقيادة الفلسطينية أنه الوريث الوحيد لهذه الأموال، وهذا ما ظهر واضحاً في انسياقه لكلام الرئيس الفلسطيني عباس عن الجبهة الشعبية " رجل جوا ورجل برا"، هذا دليل على أن سيدنا الفاضل يتبنى موقف السلطة، ويعارض احتجاج الجبهة المنطقي على تفرد القيادة المتنفذة في المنظمة بقرار المؤسسات الفلسطينية.

وبعيداً عن التأويلات وعمليات القسمة والضرب والطرح والتوزيعات والتقسيمات التي جاءت في لغة الكاتب، وبعيداً عن الدفتر المحاسبي ( الدائن والمدين) الذي أتخمنا به الكاتب.. على تجار الكلمات أن يمسكوا الخشب عندما يُذكرون اسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، هي ليست في جعبة أحد، كبرياؤها عبر تاريخ النضال الفلسطيني أعلى من الجبال وأعمق من البحار والمحيطات، وحممها أقسى من البراكين، ومبادئها أغلى من آبار النفط العربية، وأعظم من السلطة وما فيها، وارثها الكفاحي الذي امتزج بدماء آلاف الشهداء الفلسطينيين والعرب والأمميين لا يقدر بمال أو ثمن، ورصيدها النضالي أكبر حجماً من الصندوق القومي الفلسطيني، فلتذهب أموال المنظمة للجحيم.

بدلاً أن يضم الصحفي المحترم صوته إلى صوت الجبهة الذي يطالب بالإصلاح والمكاشفة ذهب في الاتجاه الآخر، وكان الأجدر به أن يوجه نقده إلى من يملك المال ويستأثر بالقرار الفلسطيني.

( انتهى)