خليل المقدسي
مع أزلام السلطة الفلسطينية، وصلت حالتنا إلى ما هو أبعد من كارثي. إن أحدهم يتهم " الشعب " بأنه غير واعٍ ويحتاج لتطوير مداركه ووعيه حتى يفهم .
لماذا؟ لماذا يحتاج الشعب الفلسطيني إلى فعل ذلك؟ يقول لنا المسئول الفلسطيني عزام الأحمد رئيس كتلة فتح في المجلس اللاتشريعي، حتى يصير " الشعب " قادراً على النفاذ إلى حكمته ورؤيته الثاقبة. ويصل إلى مستوى الإدراك الحسي والعملي لفكره الجدلي المتماسك الرصين والقائم على البحث والعلم والدراسة والتمحيص والتدقيق ومعرفة العدو والصديق، فضلاً عن الكم الهائل للمعلومات التي يختزنها المسئول في عقله الكبير، وعليه، يا شباب، فإن خلاصة هذا " الفكر الأحمدي" عرضه الرجل في لقاء مع تلفزيون وطن وتلخص في التالي:
اتفاق صنعاء ، بين فتح وحماس، كان للاتفاق على الحوار بين فتح وحماس، ولم يفشل، واليسار الفلسطيني غير موجود!
الله اكبر . هذا فكر؟ الله يرحمك يا ادوارد سعيد وأنيس صايغ . تعالوا وناظروا فكر الثورة كيف يتلخص في عزام الأحمد!
طيب، إذا كنا حمير إلى هذه الدرجة ولا نفهم ما يريده المسئول الفلسطيني، فلماذا لم يصبر السيد الأحمد ويطول باله على صحفي يمارس مهنته وواجبه ويسأل ( باحترام زايد عن اللزوم وهذا أحياناً يشجع هؤلاء على التمادي) بل يستنفر المسئول الفتحاوي ويهجم على صحفي فلسطيني . يريد الأحمد أن يعلم الصحفي مهنته ويعطيه " درساً في الثقافة والحوار والأخلاق " وكيف يسأل، وماذا يسأل، لأن هذا السؤال غلط " ولأن هوية تلفزيون وطن معروفة، وظل يكرر هذه اللازمة المشروخة " سؤالك غلط؟
لو حدث هذا الأمر في كندا أو السويد فان هذا المسئول سيستقيل من موقعه الحزبي على الفور. وسيقدم حزبه اعتذاراً مكتوباُ للصحفي ولمعشر الصحفيين في اليوم التالي وعلناً.
لا يحترم المسئول الفلسطيني جهد صحافي فلسطيني جاء ليسمع رأي الأحمد ويوفر له فرصة لمخاطبة جمهور فلسطيني يشرح موقف حركة فتح ويرد على أسئلة الناس. وتعود قلة الاحترام لجهل حقيقي بدور الصحافة وموقعها أولاً، ولهذا العقم في الفكر والممارسة السياسية للمسئول الفلسطيني التقليدي ثانياً، وعلى السيد عزام الأحمد وغيره من المسئولين الفلسطينيين في السلطة أن يتعلموا شيئاً من أخلاق الشارع الفلسطيني وكيف يخاطبوا الصحفيين باحترام وتقدير، تماماً كما يفعلوا حين تسألهم مذيعة صهيونية أو فرنسية أو أمريكية أسئلة " أزفت " و " غلط " و " تثير الانقسام " ، ولكنهم يردوا بصوت منخفض وهم يتقمصوا دور المسئول /المثقف المحترم.
لم يرتكب الزميل الصحفي جرماً كي يشن الأحمد هجوماً على اليسار وعلى تلفزيون وطن " فلو كان هذا الصحفي إسرائيلي لما تعامل معه بهذه الطريقة الفجة. ويذهب لشن هجوم بلا مبرر على قوى اليسار الفلسطيني ويسأل الرجل بمنطق الفئوي الصغير: أين هو اليسار الفلسطيني؟ اثنين في المجلس التشريعي؟ هذا هو اليسار؟
ولو كان عزام الأحمد يسأل عن قوى اليسار ودورها من منظور الحريص على وجود يسار ثوري يكون جسراً للوحدة والنضال، أن اليسار " يوجد " في عين الأحمد إن كان ظهراً للسلطة الفلسطينية ومطية لحركته، ويلغى ويقصى أن خالف قيادة فلسطينية لاشرعية وطالب بالإصلاح والمكاشفة والمراجعة السياسية الشاملة ودعي للحوار واستعادة بوصلة النضال الوطني!
وبدل أن يذهب المسئول الأول لكتلة فتح نحو خطاب وحدوي وطني يطالب فيه الجميع بتحمل مسؤولياته خاصة تلك القوى التي تغتصب السلطة غصباً، في رام الله وفي غزة.
قد لا يكون اليسار ، وخاصة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، طرفاً فاعلاً في انجاز الوحدة الوطنية، ويجب أن يبذلوا جهداً أكبر في هذا الإطار، لكن ليست الجبهة من تقول كلاماً للسيد الأحمد وتقول أشياء أخرى في رام الله، وهو يعرف من الذي يقول كلاماً مختلفا كلما زار دمشق وعاد إلى رام الله.
على السيد الأحمد أن يحترم نفسه ويعتذر للصحفيين الفلسطينيين ولليسار الفلسطيني، والذي لو لم يكن موجوداً لما سأل عنه الأحمد ، موجود رغم كل شئ، حتى لو أصيب الأخ بالعمى واختار أن يعطل بصره وضميره في لقاء صحفي عابر. لكنه لن يعتذر، وسيدافع عن انقسامه ولغته الغارقة في العدم وفي الكلام الذي لا يعني أيما شئ ولا يضيف سطراً واحداً لسفر النضال الفلسطيني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق