الجمعة، 8 أكتوبر 2010

ماذا تقرأ هذه الأيام؟

خالد بركات

الوفرة في المعلومات، هذه الأيام، تلامس حدود الفوضى والعبث. لأن كثرة المعلومات لا تعني زيادة في المعرفة الحقيقية، إذ عليك أن تصنع " منطقاً ما " من كل هذا الفيض الهادر من "الأفكار " ، سيما تلك المنشورة على محركات البحث ومواقع الجامعات والمعاهد والمؤسسات البحثية وشبكات الأخبار وغيرها ، لذلك ، ربما ، يصح أن تسال نفسك: ماذا أقرأ هذه الأيام؟

في الغرب الصناعي المتقدم هناك " صرعات " اجتماعية وسياسية توفر للمواطن " معلومات " لا حدود لها. لكن تقف خلفها قوى لها مصالح وأهداف ليست خيرة أو شريرة بالضرورة . هناك صرعات مفتعلة، وأخرى حقيقية، تتمحور حول حماية البيئة مثلاً والحفاظ على الحيتان والحيوانات المعرضة للانقراض. من هو ذاك الغبي الذي لا يكون " مع البيئة " ومع الحيتان؟ وتقرأ أكثر، ثم تكتشف أن قيادة بعض هذه الحركات والمؤسسات المدنية الكبيرة والمؤثرة هدفه تجاري بحت وان امتطى شعار ويافطة تقول : " مؤسسة غير ربحية" ! وهناك من يعمل وفق مفهوم " اللوبي " وهي مؤسسات متقدمة محسوبة على الأحزاب السياسية، وهناك الصراعات السياسية الداخلية التي توظف كل " الأهداف والقيم الإنسانية الكبرى " في خدمة قوى الرأسمال ومن أجل استقرار النظام الديمقراطي ودولة الرفاه.

عليك إذن ، وأنت تقرأ ، أن " تُفلي " المعلومات الواردة إليك، تماماً كما تفعل القردة مع طفلها الصغير، وأن " تغربل " المعلومات التي تصل إلى راسك ، وهي ستصل دون إرادتك أصلاً، حتى لو لم تطلبها أو تسعى إليها. اليوم ، إذا مشيت في إحدى الشوارع الرئيسية في نيويورك ، سوف تتعب وأنت تقرأ اليافطات والعناوين والإعلانات والأخبار العاجلة وترى الصور وهي تقفز حولك وتغزوك دفعة واحدة وبلا مقدمات. وقد يحتاج الأمر منك إلى ساعة كاملة على الأقل لو قررت أن تتوقف على زاوية مكتظة بالبشر وتقرأ ما تبخه الشاشات الكبيرة أمام ناظريك.

لكن لا أحد يتوقف في شوارع نيويورك . الناس تركض هنا، لا تمشي ، كأنهم مطاردون وخائفون.

الفضائيات أيضاً تقوم بدورها في نقل " المعرفة " و " الفكر" . وإذا حاولت أن تحصي عددها في الوطن العربي فهي بالمئات ، كلها تدعي احترام العقل والمعرفة وذوق وحساسية المشاهد/ة ، وهي ناطقة " باسم أهل السنة" ! وأخرى على الطرف الآخر ، تحترم ذات القيم وتسب عائشة ! ويمكنك أن تستمد منها " كل الحقيقة " و" الخبر الصادق " و" الموثق " والنظرة " الموضوعية للحدث" . لكن الواقع المادي يقول شئ آخر، إذ باستثناء قناة الجزيرة القطرية، فإن البقية الباقية من الفضائيات العربية ، إما ملحقة بطائفة ، أو بعشيرة قوية، أو بشبه دولة تهيمن على الإعلام وتقمع الفكر والثقافة في آن واحد .

النظام في قطر لا تهدده " موضوعية " الجزيرة المنحازة للرأي الآخر، لكن الأمر ليس كذلك في حال الدولة العربية الأكبر التي تلاحق بعض مقدمي البرامج الحوارية في مصر، وتطارد الآن الصحفي إبراهيم عيسى ، وتلاحق حرية قلمه وتستهدف الصحفيين في " لقمة العيش " كما يقول أهلنا في مصر المحروسة. اللهم إذا أرادنا مثقفي النظام المصري أن نذهب للمقارنة بين مصر والسعودية: لأ تكسب أنت طبعاً. وتخسر مصر.

الأحزاب لم تعد تنتج ثقافة وفكر . وهذا محبط للأسف الشديد . ان قناة فضائية عربية كالمنار مثلا او حتى الجزيرة قدمت شهداء وجرحى ومعتقلين في مواجهة الغزو الامريكي الصهيوني اكثر من فصائل فلسطينية واحزاب عربية ينتهي شطر اسمها ب " لتحرير فلسطين" . وانني اقترح ان يقوم صحفي فلسطيني بتوجيه هذا السؤال " لامناء عامون " في الفصائل الفلسطينية و" المسؤولين في السلطة " والقول لهم : ماذا تقرأ هذه الايام؟ انا اراهن انك لن تجد واحدا منهم يقرأ رواية او قصة او دراسة بحثية جديدة حول الصهيونية او شئ مفيد. باستثناء ربما احمد سعدات ( بما يتيسر لديه من كتب يسمح بها الاحتلال ) والمجاهد الكبير رمضان عبد الله شلح.

كم المعلومات الهائلة الموجودة بين يديك لا يعني اي شئ ، لانه لا يسعفك مثلا في العثور على حقيقة موثقة حول عدد واسماء الضحايا الذين سقطوا في قطاع غزة على يد " الانقسام " الفلسطيني . او عدد واسماء المعتقلين والشهداء في سجون السلطة الفلسطينية، هؤلاء، اليسوا بشر؟ لهم عائلات وامهات واحلام صغيرة وشعب يريد ان يعرف مصيرهم ومصير الحقيقة؟ الامر ذاته ينطبق على الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. فهناك مؤسسات حقوقية فلسطينية تقول ان " اعدادهم تفوق 7500 اسيرة واسير" . اخرين مثلا يقولون " حوالي 6500 " البعض يصر على " واكثر من 11 الف اسير واسيرة " ، يمكن فهم واقع شعبنا في الوطن والشروط التي تعمل في اطارها مؤسساتنا الوطنية في الداخل، لكن لماذا تعجز مؤسستنا عن معالجة ما يتصل من حقائق تمس حرية الاسرى.

يعتقد بعض الفلسطينيين والعرب ان " المبالغة " و" الكذب الابيض" يفيد قضيتنا الوطنية . وهذا خطأ فادح ويرقى في بعض الاحيان الى حدود " الجريمة الوطنية" اذا جاز التعبير. لانه حين يسفك جيش الاحتلال دم شاب فلسطيني في رام الله، فهذا وحده يجب ان يكون كافيا للقول ان شعبا يتعذب الان من اجله ، وان العدالة الانسانية غائبة، وانه من حقنا ، كشعب ، ومن واجبنا كقوى سياسية ، ان نقاوم الاحتلال، ونثأر لذاك الشاب الشهيد ونحفظ اسمه. لا يحتاج الامر الى القول ان " مجزرة رهيبة وقعت في رام الله " ، كي يصدقنا العالم.

ما يقوم به الاحتلال من مجازر وعدوان لا يحتاج " لمعلومات اضافية" او لأية مبالغة من أي نوع.

نريد ان نعرف الحقيقة وفقط

كاتب فلسطيني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق